ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: (وَمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ) . (وَصَفَ) الله عز وجل (بِهِ) ذاته، ولذلك قال: (نَفْسَهُ) . نفسه مفعول لوصف، (فِي أَعْظَمِ آيَةٍ) ذكر سورة تعدل ثلث القرآن، ثم ذكر آية، وهذه الآية جاء النص بأنها أعظم آية، ولذلك قال: (فِي أَعْظْمِ آيَةٍ فِي كِتِابِهِ حَيْثُ يَقُولُ: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ} [البقرة: 255] ) . هذه آية عظيمة كما سيأتي بيانها على جهة التفصيل.
قوله: (وَمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ فِي أَعْظَمِ آيَةٍ فِي كِتِابِهِ) أي والذي، ما موصولة بمعنى الذي، أي والذي وصف به نفسه .. إلى آخره معطوف على ما، من قوله: (وَقَدْ دَخَلَ فِي هِذِهِ الْجُمْلَةِ مَا وَصَفَ اللهُ بِهِ نَفْسَهُ فِي سُورَةِ الإِخْلاَصِ) . وهنا قال: (وَمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ فِي أَعْظَمِ آيَةٍ فِي كِتِابِهِ) . وهي آية الكرسي، وسميت هذه الآية آية الكرسي لماذا؟ لذكر الكرسي فيها، ومر معنا أن السورة أو الآية قد تسمى بماذا؟ تسمى بلفظ فيها، أو قصة، أو معنى مستنبط،، فسورة الإخلاص سميت سورة الإخلاص من جهة المعنى، وهنا آية الكرسي سميت آية الكرسي لماذا؟ لذكر الكرسي فيها، ( {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} ) كذلك اشتملت على كثير من العلوم والمعارف كما سيأتي، وهي أعظم آية في كتاب الله، أعظم آية يدل على ماذا؟ على ما سبق بيانه من جهة أن القرآن يتفاضل، يتفاضل سواء كان من جهة السور أو من جهة الآيات فبعضه يفضل بعضًا، لكن هذا باعتبار ماذا؟ قلنا: النظر هنا باعتبارين:
-باعتبار المتكلم وهو الله عز وجل، القرآن كله واحد، بمرتبة واحدة لا فرق بين آية وآية، ولا بين سورة وسورة، لأنه باعتبار ماذا؟ باعتبار المتكلِّم وهو صفة له جل وعلا، حينئذٍ القرآن واحد، بل كلامه كله واحد.
-أما باعتبار المتكلَّم فيه، يعني: باعتبار الموضوع، حينئذٍ وقع التفاضل، فالآية التي فيها ذكر محامد الله تعالى وأسمائه وصفاته وألوهيته لا شك أنها أفضل من الآية التي تتعلق في بعض الأحكام الفروعية أو الفرعية، أليس كذلك؟ {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} [النساء: 23] إلى آخره نقول: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} أفضل. لماذا؟ لأنها اشتملت على معنى يتعلق بذات الباري جل وعلا، وكل معنى أو خبر أو حكم يتعلق بذاته جل وعلا مما يكون تحت دائرة التوحيد بأنواعه الثلاثة فهو مقدم على غيره، هذا باعتبار الموضوع، وأما باعتبار المتكلّم فهو شيء واحد البتة.