{مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} أي ليس لأحدٍ أن يشفع عنده لعظمته وكبريائه {إِلاَّ بِإِذْنِهِ} يعني بأمره، والإذن هنا بمعنى الأمر وبمعنى الإعلام {إِلاَّ بِإِذْنِهِ} أي: بأمره وإعلامه بأنه راضٍ بذلك، وهذا من تمام سلطانه وقهره جل وعلا، أنه لا يشفع عنده إلا بإذنه جل وعلا، لأن الشفاعة دون إذنه هذا تدخلٌ في سلطانه وملكوته، وهذا لا يكون إلا ضعفًا، وإذا كان كذلك حينئذٍ نقول: قوله: {مَن ذَا الَّذي} يعني لا أحد {يَشْفَعُ عِنْدَهُ} عند الباري جل وعلا و {عِنْدَهُ} هذه عند أهل السنة والجماعة مما يدل على العلو الذاتي {إِلاَّ بِإِذْنِهِ} أي بأمره وإعلامه بأنه راضٍ بذلك عن الشفاعة وعن الشافع وعن المشفوع، والشفاعة هي التوسط للغير بجلب منفعة أو دفع مضرة، شفاعة النبي - صلى الله عليه وسلم - لأهل الموقف أن يُقضى بينهم هذه شفاعة بدفع ماذا؟ دفع مضرة، وشفاعته - صلى الله عليه وسلم - لأهل الجنة أن يدخلوها هذه جلب منفعة، إذًا قد تكون شفاعة بدفع مضرة وجلب منفعة، الشفاعة في أهل الكبائر أن يخرجوا من النار هذه لدفع مضرة ويوجد منفعة من جهةٍ أخرى: {إِلاَّ بِإِذْنِهِ} هذا فيه فائدة عظيمة وهي أن الشافعة ليست منفيةً مطلقًا، وإنما هي مثبتةٌ ومنفية، فهي نوعان:
-شفاعة مثبتة.
-وشفاعة منفية.
فقوله: {إِلاَّ بِإِذْنِهِ} يُفيد إثبات الشفاعة، لكن بشرط، وفرقٌ بين شيءٍ لا بشرط وشيءٍ بشرط، شيءٍ لا بشرط هذا منفيٌ هو الذي داخلٌ في قوله: {مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ} لا أحد يشفع {إِلاَّ بِإِذْنِهِ} ، دلّ على أن ثَمَّ شفاعة لكنها تكون بشرطٍ، وفرق بين النوعين، لكن بشرط أن يأذن إذ لولا ثبوتها لكان هذا الاستثناء لغوًا، ما الفائدة؟ إذا كان الشفاعة منفية مطلقًا بإذنٍ وبدون إذن، إذًا قوله: {إِلاَّ بِإِذْنِهِ} ما الفائدة منه؟ كان لغوًا، ويشترط أيضًا شرطان: أن يكون راضيًا عن الشافع وعن المشفوع له. قال تعالى: {وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى} [الأنبياء: 28] يعني الذي ارتضاه الله عز وجل، وقال: {يَوْمَئِذٍ لَّا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ} [طه: 109] . هذا دليله {وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا} الشافع والمشفوع، وفي هذا الاستفهام: {مَن ذَا الَّذِي} من الإنكار على من يزعم أن أحدًا من عباده يقدر على أن ينفع أحدًا منهم بشفاعةٍ أو غيرها، فالنفع مطلقًا منفيٌ، والتقريع والتوبيخ له ما لا مزيد عليه، ومن في قوله: {مَن ذَا} {مَن} مبتدأ و {ذَا} خبره، {الَّذِي} نعتٌ لـ {ذَا} وإن شئت بدل. قال القرطبي: ولا يجوز أن تكون {ذَا} زائدةٌ كما زيدت مع ما لأن {مَا} مبهمة، فزيدت {ذَا} معها لشبهها، بهذا بحثٌ في النحو.