قوله: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ} . {يَعْلَمُ} مَنْ؟ الله عز وجل، فيه إثبات صفة العلم، لأنه فعلٌ أسند إلى الفاعل وهو الله عز وجل، فيقتضي أن يكون الفاعل موصوفًا بالمصدر الذي اشتُقَّ منه {يَعْلَمُ} هكذا تقدره في جميع الأفعال الواردة في الكتاب والسنة، تقول: فعلٌ أسند إلى فاعل وهو الله عز وجل، وهذا يدل على ماذا؟ يدل على أن الفاعل متصفٌ بالمصدر الذي هو الحدث الذي اشتُقّ منه الفعل، وتقرره على هذا الوجه، {يَعْلَمُ مَا} اسم موصول بمعنى الذي يعني كل {مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ} الضميران لما في السموات والأرض {أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ} ما قال أيديها وخلفها لأنها غير عاقلة وهنا قال: {مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ} هذا من باب التغليب، الضمير إذا عاد إلى عاقل لا شك أنه يقال: أيديهم وخلفهم إذا عاد إلى غير العقلاء محضًا أيديها خلفها، إذا عاد على مشترك غُلِّبَ جانب العقلاء على غيره، فالضميران لما في السماوات والأرض بتغليب العقلاء على غيرهم، و {مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ} عبارةٌ عن المتقدم عليهم والمتأخر عنهم، أو عن الدنيا والآخرة وما فيهما، وقيل: {مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ} يعني الماضي {وَمَا خَلْفَهُمْ} يعني أو العكس {مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ} المستقبل، {وَمَا خَلْفَهُمْ} يعني الماضي، كذلك {مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ} الآخرة {وَمَا خَلْفَهُمْ} يعني الدنيا، وهو معنًى صحيح قال: {وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء} أي لا يحيط الخلق {بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء} ، {مِّنْ} هذه للتبعيض {مِّنْ عِلْمِهِ} ، وهنا مصدر أضيف إلى ماذا؟ إلى الضمير {عِلْمِهِ} أي: علم الباري جل وعلا والمراد بالمصدر هنا اسم المفعول يعني من معلوماته، لأن العلم هذا ما يتعلق بذاته الصفة الحدث، وأما قوله المنفي هنا {وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ} يعني من معلوماته، فما يعلمه الله عز وجل لا يحيط به شيءٌ يعني أي مخلوقٍ كان لا ملكٌ مقرب ولا نبيٌ مرسل ولا غيره من بابٍ أولى وأحرى، {إِلاَّ بِمَا شَاء} يعني إلا إذا أذن الله تعالى لأحدٍ أن يطلع على شيءٍ من ذلك، وهذا متعلقٌ بمشيئته، وكل شيءٍ علق بالمشيئة فهو صفةٌ فعلية - كما مر معنا - {وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء} أي: لا يحيط الخلق {بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء} أن يعلمهم إياه، ويطلعهم عليه كما قال سبحانه عن الملائكة {سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا} [البقرة: 32] .