الذي علم الملائكة من؟ الله عز وجل، والذي عَلَّمَ الأنبياء والرسل؟ الله عز وجل، فما من علمٍ يوجد على هذه البسيطة أيًّا كان نوعًا شرعيًا أو غيره فهو من علم الله تعالى، سواءً كان علمًا تجريبيًا علمًا نظريًا علمًا دنيويًا أيًّا كان علم الشريعة كل ذلك يعتبر من ماذا؟ من معلوم الله تعالى، من الذي علم الخلق؟ الله عز وجل فالضمير في {يُحِيطُونَ} يعود على الخلق {يُحِيطُونَ} أي من في السماوات ومن في الأرض، الذي دل عليه قوله: {لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ} والعلم هنا بمعنى المعلوم أي: {لاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ} من معلوماته أي مما يعلمه {إِلاَّ بِمَا شَاء} فدخل العلم بذاته وبصفاته وبما سوى ذلك، ومر معنا في أوائل القواعد أن ما يتعلق بباب الأسماء والصفات أنه توقيفي، قلنا: لماذا؟ لأنه غيب، هذا الدليل تجعله لتلك القاعدة لأنه {وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ} ومن علمه ماذا؟ علمه بأسمائه بصفاته بأفعاله هذا لا يَطَّلِعُ عليه أحدٌ إلا بإذن الله تعالى، حينئذٍ ما وقفنا عليه وصفنا الله تعالى به وسميَّنا به بما سمى به نفسه، وما لم يكن كذلك فالأصل داخلٌ في قوله {وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ} ليست داخلًا في ما بعد {إِلاَّ} ، وإنما هو داخلٌ فيما قبل {إِلاَّ} تجعل هذا الدليل لما مر. قوله: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ} أي ملأ وأحاط {وَسِعَ} أي ملأ وأحاط، فكرسيه جل وعلا محيطٌ بالسماوات والأرض وأكبر منها، لأنه لولا أنه أكبر ما وسعها {وَسِعَ} يعني تعداها حينئذٍ يكون الكرسي ماذا؟ أوسع من السماوات إذا قيل: وسع الشيء الشَّيء معناه أنه تجازوه، أليس كذلك؟ حينئذٍ {وَسِعَ} بمعنى ملأ وأحاط، ولا يكون كذلك إلا إذا كانت السماوات أصغر من الكرسي، لأنه لولا أنه أكبر ما وسعها والكرسي مخلوقٌ عظيم، وهو الجسم الذي وردت الآثار بصفته، وهو موضع القدمين لله سبحانه وتعالى، ورد ذلك موقوفًا عن ابن عباس كتفسير لهذه الآية، موضع القدمين لله سبحانه وتعالى، وسيأتي معنا إثبات القدمين للباري جل وعلا، كما يروى عن ابن عباس وغيره، وقيل: إنه العرش. قال بعضهم: إنه العرش. الكرسي هو العرش، لكن هذا باطل لا يصح، والصحيح أنه غيره، بل العرش أكبر من الكرسي كما روى ابن أبي شيبة والحاكم وقال إنه على شرط الشيخين عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} أنه قال: الكرسي موضع القدمين، والعرش لا يقدر قدره إلا الله. قد رُوِيَ مرفوعًا والصواب أنه موقوف عن ابن عباس، وذكر ابن جرير عن أبي ذر سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «ما الكرسي في العرش إلا كحلقة من حديد ألقيت بين ظهري فلاةٍ من الأرض» . وأما ما زعمه بعضهم أن معنى كرسيه علمه ونسبه إلى ابن عباس فليس بصحيح، إذًا ثلاثة أقوال إن أردنا أن نحكي الخلاف، وليس بخلاف الحق أن الكرسي موضع القدمين للباري جل وعلا، قال بعضهم: الكرسي هو العرش. وهذا باطل، قال بعضهم: الكرسي هو علم الباري جل وعلا.