هذا المشهور عند كثير من أهل التعريفات، فعلٌ، والفعل هنا يشمل ما كان باللسان ويشمل ما كان بالجوارح والأركان، وكذلك يدخل فيه فعل القلب، فالحمد يكون بالقلب ويكون باللسان ويكون بالجوارح والأركان، فعلٌ ينبئ يعني يشير عن تعظيم المنعم بسبب كونه منعمًا، وهنا فيه خلل لذلك نذكره نحن من أجل البيان وإن كان مشهورًا نذكره لبيان الخلل الذي وقع فيه، وهو أن متعلق الحمد حمد الرب جل وعلا عموم ما تعلق بذات الرب جل وعلا، يعني يشمل الصفات اللازمة، ويشمل الصفات المتعدِّيَة، وقوله: المنعم بسبب كونه منعمًا، هذا تخصيصٌ أم إطلاق؟ هذا تخصيصٌ، فكأنه بمفهوم المخالفة أن الرب جل وعلا يُحمد على صفاته المتعدّية يعني صفات الإنعام والإحسان، وهذا فيه خلل، لماذا؟ لأنه قصرٌ للحمد على بعض متعلقاته، وإلا فالرب جل وعلا يُحمد على جميع صفاته، وعلى هذا الذي ذُكِرَ فالله عز وجل لا يحمد على كبريائه، ولا يحمد على استوائه على عرشه استواءً يليق بجلاله، لأن الصفات غير متعدية وغير متعلقة بالعبد، حينئذٍ لا يحمد الرب جل وعلا عليها. نقول: هذا فيه نظر.
قلت: وهذا التعريف قصر الحمد على الصفات المتعدية وهي الإنعام وفيه نظر، والله تعالى يحمد على كماله عز وجل وعلى إنعامه، فنحمد الله عز وجل لأنه كامل الصفات من كل وجهٍ، سواءً كانت الصفات لازمة أو متعدية، لازمة؟ يعني لا تتعدى ما اختص به الرب جل وعلا كصفة الكبرياء أو صفة الاستواء هذه لا تتعلق بالمخلوق، والصفات المتعدية كالإحسان والرحمة والمغفرة هذه تتعلق بالمخلوق، حينئذٍ يحمد الرب جل وعلا على جميع صفاته صفات الكمال من كل وجهٍ، ونحمده أيضًا لأنه كامل الإنعام والإحسان. قال الله عز وجل: {وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ} [النحل: 53] ، {وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ} هنا نعمة نكرة في سياق النفي {وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ} أو شرطية {مَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ} يحتمل حينئذٍ نقول: نكرةٌ في سياق النفي أو في سياق الشرط فعمت، إذًا كل نعمةٍ من الله عز وجل كل نعمةٍ حلت بالمخلوق فهي من الله عز وجل، وأكبر نعمةٍ أنعم الله بها على الخلق هي إرسال الرسل، ولذلك قال المصنف: (الحمد لله الَّذي أَرْسَلَ رَسُولَهُ) . إذًا أعظم نعمة أنعم الله عز وجل بها على الخلق إرسال الرسل الذين بهم هداية الخلق، ولهذا يقول المؤلف: (الحمد لله الَّذي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ) .