الفائدة الثالثة: إثبات صفة القيوم، أي قيامه بنفسه جل وعلا فلا يفتقر إلى أحد البتة، وقيامه بتدبير أمور خلقه كما قال سبحانه: {أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ} [الرعد: 33] . وسبق أن هذين الاسمين، أعني الحي والقيوم، ذكرا معًا في ثلاثة مواضع في القرآن وهما من أعظم أسماء الله وصفاته، وورد أنهما الاسم الأعظم، فإنها متضمنان لصفات الكمال أعظم تضمن، الصفات الذاتية كلها ترجع إلى اسم الحي، والصفات الفعلية ترجع إلى اسم القيوم، هكذا قال أهل العلم، ويدل القيوم على معنى الأزلية والأبدية كذلك، وعلى قيامه بذاته، وعلى قيام كل شيءٍ به وعلى أنه موجودٌ بنفسه وهذا معنى كونه واجب الوجود.
الفائدة الرابعة: تنزيهه سبحانه عن صفات النقص، مثل ماذا؟ كالسِّنَة والنوم، عرفنا السِّنَة المراد بها النعاس أو يسمى النوم الخفيف، وكذلك النوم مراد به الثقل، والعجز والفقر ونحو ذلك وهو تأكيدٌ للقيوم لأن من جاز عليه السِّنة والنوم استحال أن يكون قيومًا، إذا كان ينام فحينئذٍ ضعف، لذلك ولي الأمر في بيته لو نام عن أولاده ضاعوا وأما الله عز وجل له كمال القيومية.
الخامسة: سعة ملكه سبحانه وتعالى: ( {لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ} ) . ملكًا وعبيدًا تحت قهره وسلطانه.
السادسة: فيه دليلٌ على عظمته وسلطانه، وأن أحدًا لا يشفع عنده إلا بعد إذنه سبحانه ورضاه عن المشفوع له - كما مرَّ - وبحث الشفاعة هذا يكون في كتاب (( التوحيد ) ).
السابعة: هذا فيه إثبات الشفاعة بقيودها، وهو إذن الله تعالى للشافع أن يشفع ورضاه عن المشفوع له.
الثامنة: فيه الرد على المشركين الذين يزعمون أن أصنامهم تشفع لهم فظهر أن الشفاعة تنقسم إلى قسمين: شفاعةٌ منفية، وشفاعةٌ مثبة.
التاسعة: فيه إثبات صفة الكلام لله سبحانه، وأنه يتكلم متى شاء إذا شاء، وأنه يتكلم سبحانه بحرفٍ وصوتٍ يليقان بجلاله وعظمته، وسيأتي بحث الكلام في موضعه إن شاء الله تعالى، وأن كلامه سبحانه يُسمع بقوله: ( {إِلاَّ بِإِذْنِهِ} ) يعني بأمره وإعلامه، وهذا يستلزم ماذا؟ يستلزم الكلام ولا بد من حرفٍ ولا بد من صوتٍ.
العاشر: فيه إثبات صفة العلم لله سبحانه وتعالى: ( {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ} ) . وإحاطته بكل معلومٍ ( {وَلاَ يُحِيطُونَ} ) ، وأنه يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون، فعلمه يتعلق بالممتنع وبالجائز وبالمستحيل.
الحادي عشر: في ذكر إحاطة علمه سبحانه بالماضي والمستقبل إشارةٌ لأنه لا ينسى {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا} [مريم: 64] . ولا يغفل، ولا يحدث له علمٌ ولا يتجدد، حينئذٍ ما كان علمه الباري جل وعلا.
الثاني عشر: فيه الرد على القدرية والرافضة ونحوهم، الذين يزعمون أن الله لا يعلم الأشياء إلا بعد وقوعها، وهذا باطل، بل الله عز وجل يعلم الشيء قبل أن يقع، والرد على من زعم أن الله لا يعلم إلا الكليات - تعالى الله عن قولهم -.