الصفحة 332 من 883

قوله: ( {وَالظَّاهِرُ} ) . هذا الاسم ثالث من أسمائه جل وعلا، ورد مرة واحدة في هذه الآية، لكن المعنى ورد مرارًا، لأن المراد به العلو الذاتي، ومعناه العالي المرتفع الذي ليس فوقه شيء، وفسره النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله: «وأنت الظاهر فليس فوقك شيء» . المراد الفوقية الذاتية، فيفسر بماذا؟ بالعلو الذاتي، بدليل ماذا؟ بدليل تفسير النبي - صلى الله عليه وسلم -، حينئذٍ الظاهر مأخوذ من الظهور، ظهر على كذا بمعنى علا عليه، فيسير حينئذٍ الظاهر والعلو مترادفان أو العليّ من أسمائه جل وعلا يكون فيه معنى الترادف، إلا أن العليّ يفسر بماذا؟ بعلو الذات والصفات، يعني يدخل فيه المعاني الثلاثة للعلو: علو القدر، وعلو القهر، وعلو الذات. لكن تفسير النبي - صلى الله عليه وسلم - للظاهر هنا المراد به أحد أنواع العلو وهو العلو الذاتي. قال هنا: معناه العالي المرتفع الذي ليس فوقه شيء. وفسره النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله: «وأنت الظاهر فليس فوقك شيء» . ولا ريب أنه ظاهر بذاته جل وعلا فوق كل شيء، فالظهور هنا هو العلو والفوقية، كما قال تعالى: {فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ} [الكهف: 97] . أي: يعلوا عليه، يعني على السَّدِّ الذي جُعِلَ بين يأجوج ومأجوج وغيرهم، ولا يصح أن يُحمل الظهور على الغلبة، ظهر عليه يعني غلبه، لا يصح، لأنه قابله بقوله: «وأنت الباطن» . المراد بالباطن هنا القرب العام الذي يفسر بالعلم كما سيأتي، لأنه قابله بقوله: «وأنت الباطن» . قال ابن جرير: هو الظاهر على كل شيء دونه. ظاهر يعني بذاته، لأن معنى ظهر كما ذكرنا ظهر على الشيء، أي علا عليه، وسيأتي كلام ابن القيم رحمه الله تعالى، وهو العالي فوق كل شيء فلا شيء أعلى منه. إذًا الظاهر المراد به هنا الظهور بذاته جل وعلا، أو إن شئت قل: العلو الذاتي. ولا يعمم لأن المراد به علو الصفات وعلو الذات، وإن ذكر بعض هذا المعنى لكن ينافيه ما ذكره النبي - صلى الله عليه وسلم - بأن المراد به الفوقية.

قوله: ( {وَالْبَاطِنُ} ) اسم من أسمائه تعالى ورد مرة واحدة في هذه الآية، ومعناه الذي ليس دونه شيء، كما فسره النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك، بَطَنَ سبحانه بعلمه فلا يحجبه شيء، وهذا كناية عن إحاطته بكل شيء، والمعنى أنه مع ظهوره وعلوه عز وجل فهو باطن فلا تنافي بين ماذا؟ بين كونه عاليًا بذاته وبين كونه قريبًا من عباده بعلمه، تَنَافَيَا؟ ليس بينهما تنافي.

قال ابن القيم رحمه الله تعالى: فالبطون حينئذٍ يكون بمعنى القرب. والمعنى المراد القُرب العام من المخلوقات، وليس هو القرب الخاص الذي يكون خاصًا بالمؤمنين، والقرب العام من المخلوقات يكون بالإحاطة والعلم والقدرة، والقرب الخاص من أوليائه يكون بنصرهم وتأييدهم وسماع دعائهم وإجابتهم وتوفيقهم وتسديدهم، يعني المعية الخاصة قريبًا من معنى المعية الخاصة. إذًا الباطن يُفسر بمعنى القرب، والمراد به القرب العام الذي يفسر بالعلم والإحاطة والسُّمُو.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت