وقال في موضع آخر في الكلام على هذه الأسماء الأربعة: الأول والآخر والظاهر والباطن. قال: هي أركان العلم والمعرفة. يعني: ما هي الثمرة من إثبات هذه الأسماء بالمعاني المذكورة؟ قال: هي أركان العلم والمعرفة، فحقيق بالعبد أن يبلغ في معرفته إلى حيث ينتهي به قواه وفهمه. يعني أن يعلم ما دلت عليه هذه الأسماء الأربعة كغيرها من الأسماء، وأن يقف ويتدبر ويتفكر في هذه المعاني التي دلت عليها، قال رحمه الله تعالى: واعلم أن لك أنت أولًا وآخرًا. أيها المخلوق لك أول ولك آخر، وظاهرًا وباطنًا، بل كل شيء، يعني من الموجودات فله أول وآخر وظاهر وباطن حتى الْخَطْرَةُ واللحظة والنفس وأدنى من ذلك وأكثر، فلها أول ولها آخر، أليس كذلك؟ الخطرة لها أول ولها آخر تنتهي لم تكن ثم كانت هذا معنى أوليتها، ثم كانت ثم زالت عدمت، أليس كذلك؟ فكل شيء من الموجودات حتى النفس له أول وله آخر، فأولية الله عز وجل سابقة على أولية كل ما سواه، وآخِريَّته ثابتة بعد آخرية كل ما سواه، فأوَّلِيَّته سبقه لكل شيء، وآخِريَّته بقاؤه بعد كل شيء، وظاهريته سبحانه فوقيته وعلوه على كل شيء، ثم قال الكلام السابق: ومعنى الظهور يقتضي العلو، وظاهر الشيء هو ما علا منه وأحاط بباطنه، وبطونه سبحانه إحاطته بكل شيء بحيث يكون أقرب إليه من نفسه، وهذا قرب غير قرب المحب من حبيبه. يعني القرب الخاص، هذا لون وهذا لون، فمدار هذه الأسماء الأربعة على الإحاطة، الأول والآخر والظاهر والباطن فيها إحاطته، وهي إحاطتان: زمانية، ومكانية. يعني: الأول والآخر اسمان لاستغراق الزمان كله من مبدئه ومنتهاه، فإذا تصور بأن الزمن له مبدأ وله منتهى فالله تعالى سابق أولٌ وكذلك آخر، فلو تُصُوِّر أن للزمان مبدءًا فالله عز وجل هو أول، أي قبل ذلك، ولو تُصُوِّر أن للزمان انتهاءً فإن الله تعالى هو آخرٌ، أي بعد ذلك.
قال: فَإِحَاطة أوليته وآخريته بالقبل والبعد، فكل سابق انتهى إلى أوليته، وكل آخر انتهى إلى آخريته، فأحاطت أوليته وآخريته بالأوائل والأواخر، وأحاطت ظاهريته وباطنيته بكل ظاهر وباطن. ثم قال: فما من ظاهر إلا والله فوقه، وما من باطن إلا والله دونه، وما من أول إلا والله قبله، وما من آخر إلا والله بعده. ثم قال: فالأول قِدَمُه، والآخر دوامه وبقاؤه، والظاهر علوه وعظمته، والباطن قربه ودونه، فسبق كل شيء بأوليته، وبقي بعد كل شيء بآخريته، وعلا على كل شيء بظهوره، ودنا من كل شيء ببطونه، فلا تواري منه سماءٌ سماءَ ولا أرضٌ أرضَ ولا يحجب عنه ظاهرٌ باطنًا، بل الباطن له ظاهر، والغيب عنده شهادة، والبعيد منه قريب، والسر عنده علانية، فهذه الأسماء الأربعة يشتمل على أركان التوحيد.
لكن بالتأمل لِمَا ذكره سابقًا رحمه الله تعالى، فهو الأول في آخريته، والآخر في أوليته، والظاهر في بطونه، والباطن في ظهوره، لم يزل أولًا وآخرًا وظاهرًا وباطنًا. انتهى كلامه رحمه الله تعالى.