ففيه إشارة إلى أن التوكل لا ينافي الإتيان بالأسباب، بل يكون جمعهما هو الذي يتحقق به التوكل، كما رُوِيَ أن عمر رضي الله تعالى عنه لقي أناسًا من أهل اليمن فقال: من أنتم؟ فقالوا: نحن الْمُتَوَكِّلُون. قال: بل أنتم الْمُتَأَكِّلُون، إنما المتوكل الذي يُلقي حبَّه في الأرض ويتوكل على الله. ذكره ابن رجب رحمه الله تعالى عنه. قال ابن القيم رحمه الله تعالى في (( المدارج ) ): أجمع القوم على أن التوكل لا ينافي القيام بالأسباب، فلا يصح التوكل إلا مع القيام بها. وهذه حقيقةٌ شرعية أما المعنى اللغوي فهو أعم، تفويض أي إذا وَكَّل شيءٌ شيئًا فحينئذٍ نقول: التفويض حاصلٌ ولا يشترط فيه الأخذ بالأسباب، هذا في المعنى اللغوي، وأما في الشرع فلا، لذلك قال: فلا يصح التوكل إلا مع القيام بها، وإلا فهو بطالةٌ وتوكلٌ فاسد.
وقال سهل بن عبد الله: من طعن في الحركة فقد طعن في السنة. الحركة يقصد به ماذا؟ الكسب والعمل، ومن طعن في التوكل فقد طعن في الإيمان، فالتوكل حال النبي - صلى الله عليه وسلم -، والكسب سنته، فمن عمل على حاله فلا يتركن سنته.
والتوكل ينقسم إلى قسمين:
-الأول: توكل على الله فهو من أشرف أعمال القلوب وأجلها، بل هو شرطٌ في صحة الإيمان.
-والثاني: التوكل على غيره سبحانه وهذا ينقسم إلى ثلاثة أقسام التوكل على غيره.
الأول: التوكل على غير الله في الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله. كالتوكل على الأموات والطواغيت في رزقٍ أو نصرٍ أو نفعٍ أو ضُرٍّ ونحو ذلك، فهذا شركٌ أكبر، إذا فَوَّضَ أموره إلى الأموات مما لا يقدر عليه إلا الله عز وجل الأموات والأحياء مما لا يقدر عليه إلا الله عز وجل فهو شركٌ أكبر، لأنه صرف عبادةً لغير الله تعالى، وهذا معنى الشرك الأكبر.
إذًا الأول التوكل على غير الله في الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله فهذا شركٌ أكبر.
الثاني: التوكل في الأسباب الظاهرة، كمن يتوكل على أميرٍ أو سلطانٍ في ما أقدره الله عليه من رَزقٍ أو دفع أذى ونحو ذلك. فهذا النوع شركٌ أصغر يعني يحصل ماذا؟ يحصل اعتماد القلب على السبب، هذا السبب يقدر، الفرق بين هذا وذاك؟ أن السابق لا يقدر عليه إلا الله فهذا شركٌ أكبر، هذا يقدر عليه البشر لكنه اعتمد عليه فوض أمره إليه. نقول: هذا ماذا؟ هذا شركٌ أصغر. ولذلك أهل السنة والجماعة يقولون بأن الاعتماد على الأسباب شركٌ أصغر.
الثالث: توكيل الإنسان غيره في فعل ما يقدر عليه نيابةً عنه. هذه الوكالة التي تكلم عنها الفقهاء، وكانت جائزة لكن هي سببٌ، حينئذٍ إن اعتمد عليها دخلت في الثاني، فإذا كان كذلك الأسباب حينئذٍ لا يُعتمد عليها، لكن ليس له أن يعتمد عليه بل يتوكل على الله في تيسير أمره وذلك من جملة الأسباب الجائزة.
فهذه الآية أفادت:
-الحثّ على التوكل على الله تعالى وتعليق الأمل به سبحانه دون غيره.
كما أفادت وجوب التوكل على الله إذ مطلق الأمر يقتضي الوجوب.
-وأفادت إثبات صفة الحياة الكاملة لله سبحانه وتعالى.
-وفي هذه الآية من أسماء الله الحي، ومر معنا في آية الكرسي.