الأول: وجوده على صورته المعينة. يعني: حكمةٌ في كون الشيء على كيفيته وحاله التي هو عليها، كما لو قيل: الصلاةُ خمس فروضٍ في اليوم، لِمَ كانت خمسة؟ لحكمةٍ أو لا؟ نحن لا نعلمها الحكمة قد نعلمها وقد نجهلها، لِمَ كانت خمس صلوات في اليوم والليلة، حكمة أو لا؟ لحكمة قطعًا، لِمَ كان الحج مرةً [في العام] [1] في العمر لِمَ؟ نقول: لحكمةٍ. لِمَ كان شهر رمضان شهرًا واحدًا في السنة؟ لِمَ كان ثلاثين يومًا؟ لِمَ لا يزيد؟ لِمَ لا ينقص؟ فكون الشيء على صورةٍ معينة نقول: هذه حكمة، كحال الصلاة فهي عبادةٌ عظيم تُسبق بطهارة من الحدث والخبث وتُؤدى على هيئةٍ معينةٍ من قيامٍ وقعودٍ وركوعٍ وسجود وهكذا كونها على هذه الحال نقول: هذا حكمةٌ علمناه أم جهلناها، فعدم علمنا بالحكمة لا يلزم منه نفي الحكمة عن العبادة.
الثاني: فيما يترتب على تلك العبادة، في غايته المحمودة التي يترتب عليها.
فالحكمة وضع الشيء في موضعه الموافق للغايات المحمودة منها. فما يترتب على العبادات ما يترتب على جميع الأحكام الشرعية نقول: هذه غايات، فلم يَشْرَعِ الله عز وجل الأحكام الشرعية إلا لِمَا يترتب عليها من غايات محمودة، إن فُعِلَتْ حينئذٍ ترتب عليها ذلك، ولذلك نقول: الحكمة وضع الشيء في موضعه الموافق للغايات المحمودة منه، وأما وضع الشيء في موضعه دون نظرٍ إلى الغايات المحمودة منه إما عجزًا أو عدم رعاية فهذا لا يُسَمَّى حكمةً، وضع الشيء في موضعه مع - لا بد من القيد - مراعاة ما يترتب على ذلك الشيء، وأما وضع الشيء في موضعه دون مراعاة حينئذٍ نقول: هذا لا يُسَمَّى حكمةً، فوضع الشيء في موضعه عدلٌ، والظلم وضع الشيء في غير موضعه، والحكمة عدلٌ وزيادة. العدل وضع الشيء في موضعه. الظلم وضع الشيء في غير موضعه. الحكمة عدلٌ وزيادة، ما هي الزيادة مراعاة المصالح أو الغايات التي تترتب على فعل العبادات.
إذًا: الثاني في غايته المحمودة التي يترتب عليها. يعني الحكمةٌ في الغاية من الحكم، ما الغايةُ من هذا الحكم؟ نقول: ما يترتب عليه هو مُرَاعَى من جهة الباري جل وعلا حيث إن جميع أحكام الله تعالى لها غاياتٌ حميدة وثمراتٌ جليلة، فانظر إلى حكمة الله تعالى في حكمه الكوني الشرعي هذا جاء مُعَلَّلًا، إما طلب رضوان الله تعالى الجنة النجاة من النار، كل هذه حِكَم، حيث يُصيب الناس المصائب العظيمة لغاياتٍ حميدة كقوله تعالى: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ} [الروم: 41] . قال: {لِيُذِيقَهُم} هذا حكمٌ كوني أو لا؟ {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} هذا حكمٌ كوني، قال: {لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} ففيها ردٌ لقول من يقول: إن أحكام الله تعالى ليست لحكمة بل هي لمجرد مشيئته.
وأما حُكْمُه سبحانه وتعالى فينقسم إلى قسمين:
(1) سبق.