الأول: حكمٌ كونيٌ قدري. وهو ما قضاه على عباده من الخلق والرَّزق والحياة والموت ونحو ذلك من معاني الربوبية ومقتضياتها. كقوله تعالى عن أحد إخوة يوسف: {فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ حَتَّىَ يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللهُ} [يوسف: 80] . هذا حكمٌ كوني، يعني لا يتعلق بالشرع وإنما يتعلق بالرّزق والإحياء والإماتة وجميع معاني الربوبية ومقتضياتها.
الثاني: الحكم الشرعي حكمٌ ديني شرعي وهو ما جاءت به رسله ونزلت به كتبه من شرائع الدين. كقوله تعالى: {أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ} [المائدة: 1] . إلى قوله: {إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ} يحكم ماذا؟ يعني الحكم الشرعي ليس المراد به الحكم الكوني. وقال تعالى في سورة الممتحنة: {ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ} [الممتحنة: 10] . المراد به الحكم الشرعي فحَكَمَ يَحْكُمُ قد يَرِدُ في الكتاب القرآن ويُراد به الحكم الشرعي فحسب، وقد يراد به الحكم القدري فحسب، وقد يحمل على المعنيين. فقوله: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ} هذا يشمل النوعين الحكم الشرعي والحكم القدري، فشاملٌ للكوني والشرعي. والله عز وجل حكيمٌ بالحكم الكوني وبالحكم الشرعي، وهو أيضًا مُحْكِمٌ لهما، فالحكم الشرعي حُكْمٌ وله غايةٌ، منه حكمة تترتب عليه، والحكم الكوني كذلك. إذًا كلٌ منهما لها غايةٌ حميدة تترتب عليهما، فكل من الحكمين موافقٌ للحكمة. قال ابن القيم رحمه الله تعالى:
وهو الحكيم وذاك من أوصافه ... نوعان أيضًا ما هما عدمان
حكمٌ وإحكامٌ فكلٌ منهما ... نوعان أيضًا ثابتا البرهان
والحكم شرعيٌ وكونيٌ ولا ... يتلازمان وما هما سيان
سيان. - مختلفان -
قال ابن القيم: والحكمة وضع الأشياء في موضعها مع مراعاة الغايات.
قال ابن القيم في (( المدارج ) ): الحكمة حكمتان: عِلْمِيَةٌ وعَمَلِيَةٌ.
فالعِلمية الاطلاع على بواطن الأشياء ومعرفة ارتباط الأسباب بمسبباته خلقًا وأمرًا قدرًا وشرعًا.
والعِلمية وضع الشيء في موضعه. انتهى. وحكمته سبحانه صفةٌ قائمةٌ به يعني هي صفة من الصفات كما نقول: عليم دل على صفة العلم وهي صفةٌ ذاتية قائمةٌ به حكيم دل على ماذا؟ على الحكمة. إذًا الحكمة كالعلم صفة قائمة بالباري جل وعلا كسائر صفاته من سمعه وبصره وعلمه وقدرته ونحو ذلك، وهي تنقسم إلى قسمين:
إحداها حكمةٌ في خلقه وهي نوعان:
الأول: إحكام هذا الخلق وإيجاده في في غاية الإحكام والإتقان.
والثاني: صدوره لأجل غايةٍ محمودةٍ مطلوبةٍ له سبحانه التي أمر لأجلها وخلق لأجلها.
الثانية: الحكمة في شرعه وتنقسم أيضًا إلى قسمين:
الأول: كونها في غاية الإحسان والإتقان.
والثاني: كونها صدرت لغايةٍ محمودةٍ وحكمةٍ عظيمةٍ يستحق عليها الحمد.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى:
والحكمة العليا على نوعين أيـ ... ضًا حصلا بقواطع البرهان
الحكمة على نوعين
إحداهما في خلقه سبحانه ... نوعان أيضًا ليس يفترقان
إحكام هذا الخلق إذ إيجاده ... في غاية الإحكام والإتقان
وصدوره من أجل غاياتٍ له ... وله عليها حمد كل لسان
والحكمة الأخرى فحكمة شرعه ... أيضًا وفيها أيضًا ذانك الوصفان
غاياتها اللاتي حُمِدْنَ وكونها ... في غاية الإتقان والإحسان