قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: أجمع المسلمون على وصفه سبحانه بالحكمة وتنازعوا في تفسير ذلك، المسلمون لم يقل: أهل السنة والجماعة، إنما قال: المسلمون لأن الحكمة عند الأشاعرة منفية، فكل لامٍ لام التعليل لام كي في القرآن فهي لام الصيرورة عندهم. فقال الجمهور من أهل السنة وغيرهم: هو حكيمٌ في خلقه وأمره والحكمة تتضمن ما في خلقه وأمره من العواقب المحمودة والغايات المحبوبة. والجمهور يقولون: لام التعليل داخلةٌ في أفعال الله وأحكامه. إذًا التعليل هذا مقارنٌ لحكم الله الشرعي والقدري، فما من حكمٍ لله شرعي إلا وهو معلل علمناه أم جهلناه، وما من حكمٍ قدري إلا وهو مُعَلَّلٌ علمناه أم جهلناه، فاسمه الحكيم فيه إثبات الحكمة، والحكمة تتضمن كمال علمه وخبرته وأنه أمر ونهى وخلق وقدر لِمَا له في ذلك من الحكم والغايات الحميدة التي يستحق عليها كمال الحمد والإحكام الذي في مخلوقاته دليلٌ على علمه، وإنما يدل إذا كان الفاعل حكيمًا يفعل الحكمة. انتهى من كلام شيخ الإسلام رحمه الله تعالى.
والحكم كما مرَّ معناه المعنى، وشرعًا هو خطاب المتعلق بأفعال المكلَّفين اقتضاءً أو تخييرًا فيدخل فيه الحكم الشرعي بنوعيه: الوضعي، والتكليفي.
وينقسم الحكم بالنسبة إلى الرضا به وعدمه إلى أقسامٍ:
قسمٌ يجب الرضا به والانقياد والاستسلام له، وهو الحكم الديني الشرعي، يجب الإيمان بأنه من عند الله تعالى والتسليم له مع القبول، فإذا لم يكن كذلك فحينئذٍ انتفى عنده الاستسلام للباري جل وعلا. قال سبحانه: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} [النساء: 65] . فنفى أصل الإيمان. إذًا كُلّ حكمٍ شرعيٍ دينيٍ في الكتاب والسنة وجب الإيمان به ولا يجوز رده ولا يتخلف هذا، لو لم ينتسب لا يلزم منه ماذا؟ عدم الإيمان، فالإيمان شيء بالحكم الشرعي والتصديق به شيء والعمل به شيءٌ آخر، ولذلك لو وقع من وقع في الزنا مثلًا عنده شيئان:
الشيء الأول اعتقاد أنه محرم ولو وقع في المحرم، فكونه يقع في المحرم شيء هذا مخالف لكنه يجب أن يعتقد أنه محرم، فلو اعتقد أنه مباح كفر، لأنه مما يعلم من الدين بالضرورة أنه محرم، وكذلك الربا قد يقع في الربا لكن لا يلزم من ذلك أن يعتقد أنه مباح، إذ لو اعتقد أنه مباح لكفر لأنه يعتبر ماذا؟ رادًّا لحكم الله تعالى مما هو معلومٌ من الدين بالضرورة، فوقع المسلم في المعصية شيء، واعتقاده فيما يتعلق بذلك الحكم شيءٌ آخر، لأنه يجب الرضا بحكم الله تعالى، ويجب قبوله والتسليم له والانقياد له ولو لم يمتثل، فيعتقد أن الصلاة واجبة ويجب حينئذٍ الامتثال، وليس كما سبق. هذا الحكم الشرعي يجب الرضا به والانقياد للاستسلام له.
وأما الحكم الكوني من الأمراض والفقر ونحو ذلك فمنه ما يُستحب الرضا به كالرضا بالفقر مثلًا والعاهة والأمراض ونحو ذلك هذا مما يستحب الرضا به، يعني لا يجب، ومنه ما يحرم الرضا به كالرضا بالكفر والمعصية ونحو ذلك.
وأما اسمه {الْخَبِيرُ} . فمعناه الذي انتهى علمه إلى الإحاطة ببواطن الأشياء وخفاياه على ما هي عليه كما أحاط بظواهرها. انتهى من (( الصواعق ) ).