أي عند الله، الضمير يعود إلى الباري جل وعلا، وعند فيها معنى العلو، كل لفظ عند في القرآن يستدل به أهل السنة والجماعة على ماذا؟ على إثبات العلو الذاتي للباري جل وعلا عنده، وعند فيها معنى العلو، وكذلك معنى الاختصاص والقرب، معنى الاختصاص والقرب عنده، إذًا ليس بعيدًا عنه، ففيه نوع اختصاص وفيه نوع قرب، {إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ} [الأعراف: 206] {عِنْدَ رَبِّكَ} إذًا فيه اختصاص أو لا؟ فيه معنى الاختصاص، وهنا أي أن هذه مفاتيح الغيب أو مفاتح الغيب يختص الله تعالى بها، ففيها نوع اختصاص، بل يُفهم من التقديم والتأخير ومن النفي والإثبات كما سيأتي، يعني له طريقان ( {وَعِنْدَهُ} ) أي عند الله تعالى وهو خبر مقدم، و ( {مَفَاتِحُ الْغَيْبِ} ) مبتدأ مؤخر، ما الذي نستفيد من هذا الإعراب؟ نستفيد القصر والحصر، لأن القاعدة أن تقديم ما حقه التأخير يفيد الاختصاص والقصر كذلك على قول عند الجمهور بأن الاختصاص هو معنى القصر، والقصر هو الاختصاص خلاف لتقي الدين السبكي الذي فرَّق بينهما، لكن الصواب هما بمعنى واحد، ما هو القصر؟ إثبات الحكم للمذكور ونفيه عما عداه، يعني ما ذُكِرَ يكون مختصًا بما تعلق به، ( {وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ} ) أي لا عند غيره، فذكر مفاتح الغيب متأخرًا عن الخبر دل على أن ذكر هذا الخاص الذي مفاتح الغيب متعلق بماذا؟ بكونه مختصًا به الباري جل وعلا، ما عداه منفيٌّ عنه، من أين أخذنا النفي؟ نقول: القصر والحصر يشتمل على شيئين إثبات ونفي، إثبات ما تعلق به اللفظ، ونفي ما عداه ( {وَعِنْدَهُ} ) أي لا عند غيره، أليس كذلك؟ ( {وَعِنْدَهُ} ) لا عند غيره، {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} [الفاتحة: 5] أي لا نعبد إلا إياك، ففيه إثبات وفيه نفي، إثبات ماذا؟ إثبات الملفوظ بكون العبادة متعلقة بالباري جل وعلا، ونفي ماذا؟ نفي كون هذه العبادة متعلقة بغير المذكور وهو غير الباري جل وعلا، هنا كذلك ( {وَعِنْدَهُ} ) أي لا عند غيره، و ( {مَفَاتِحُ الْغَيْبِ} ) أي خزائنه، المراد بها الخزائن، والمفاتح مَفَاعِل جمع مَفْتِح، مَفْتِح مَفْعِل بفتح الميم وكسر التاء، مَفْتِح وهو المخزن، يعني واحد مخزن، جمعه مفاتح إذًا مخازن، عنده مخازن الغيب، أي عنده مخازن الغيب، والغيب معروف، أو جمع مِفْتَح بكسر الميم وفتح التاء مِفْتَح، وهو الْمِفْتَاح، وبعضهم يرى أنه جمع مِفْتاح لكن حُذفت الياء الأصل مَفَاتيح، مَفَاتح مَفَاتيح حذفت الياء على غير سَنَنٍ، جعل للأمور الغيبية مَفَاتِحَ يُتوصل بها إلى ما في المخازن منها، والمعنى أن عنده سبحانه خاصةً مخازن الغيب، أو المفاتح التي يُتوصل بها إلى المخازن، أي الطرق الموصولة إلى علمه، يعني التي يُكتسب بها العلم، إذًا تُفسر المفاتح هنا إما بكونها الطريقة الموصلة إلى العلم، وإما إلى خزائنه، خزائن العلم، إما هذا أو ذاك، ومعلوم أن قاعدة التفسير أن المعنيين إذا لم يكن بينهما تنافٍ حينئذٍ حُمِلَ اللفظ على المعنيين هنا كذلك ليس بينهما تنافٍ حينئذٍ يحمل على المعنيين، فمفاتح الغيب هي مجامعه وأصوله، ويفيد هذا التركيب الحصر والاختصاص، أي عنده لا عند غيره مفاتح الغيب ثم