الصفحة 354 من 883

أكد هذا الحصر بطريق آخر، ( {وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ} ) ، ( {لَا يَعْلَمُهَا} ) أي لا يعلم هذه المفاتح إلا هو، ما الذي دلت عليه هذه الجملة؟ دلت على ما دل عليه السابق، وهو ماذا؟ اختصاص الباري جل وعلا بالعلم بمفاتح الغيب، حينئذٍ عندنا طريقان في اختصاص علم الباري جل وعلا بهذه المفاتح، سواء كانت الخزائن أو الطرق الموصولة إلى الخزائن. الأول التقديم والتأخير ... ( {وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ} ) هذا طريق للحصر والقصر، أقوى منه حينئذٍ يكون فيه تَرَقِّي من الأدنى للأعلى، أقوى منه عند كثير من الأصوليين والبيانيين هو النفي والإثبات، ولذلك جاءت لا إله إلا الله جاءت بالنفي والإثبات، ( {لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ} ) يعني لا يعلم هذه المفاتح مفاتح الغيب إلا هو، هذا فيه حصر أو لا؟ فيه حصر، ما طريقه؟ النفي والإثبات، ما قوته؟ أعلى درجات صيغ الحصر والنفي عند أكثر البيانيين، إذًا نقول هنا: ففي الجملة حصر بأن علم هذه المفاتح عند الله بطريقين:

إحداهما: طريقة التقديم والتأخير.

والثانية: طريقة النفي والإثبات.

والثانية أقوى من الأولى، وحينئذٍ يكون فيه تَرَقِّي من الأدنى إلى الأعلى، ولا إشكال في هذا المعنى، قوله: ( {لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ} ) . فعلمها محصور فيه جل وعلا، وهي جملة كما قال الشوكاني في (( الفتح ) )جملة مؤكِّدة لمضمون الجملة الأولى، يعني ليس بين الجملتين فرق في المعنى، ( {وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ} ) دلت على إثبات المفاتح مفاتح الغيب وأنها محصورة في الباري جل وعلا ( {لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ} ) الجملة الأولى دلت على هذا، الجملة الثانية دلت على ماذا؟ دلت على ما دلت عليه الجملة الأولى ( {لَا يَعْلَمُهَا} ) أي هذه المفاتح، مفتاح الغيب إلا هو لكن بطريق آخر، وأنه لا علم لأحد من خلقه بشيء من الأمور الغيبية التي استأثر الله بعلمها. قال المناوي رحمه الله تعالى: فمن ادَّعَى علم شيء منها كفر. يعني: هذه المفاتح من ادعى علم شيء منها كفر، لماذا؟ {قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ} [النمل: 65] ، إذًا إذا ادَّعَى علم الغيب كفر، والمراد الغيب هنا الغيب المطلق ليس الغيب النسبي، ومفاتح الغيب هي الخمسة المذكورة في قوله سبحانه وتعالى: {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ} . هذه خمسة.

الأولى: {عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ} .

الثانية: {وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ} .

الثالثة: {وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ} .

الرابعة: {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا} .

الخامسة: {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ} .

هذه هي مفاتح الغيب كما رواه البخاري في صحيحه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت