ففي هذه الآية إثبات صفة العلم لله سبحانه وتعالى كما يليق بجلاله وعظمته وهي من الصفات الذاتية، ما معنى من الصفات الذاتية؟ يعني: لم يزل ولا يزال متصفًا بها كالحياة ونحوها، وفيها إثبات إحاطة علمه بكل شيء فلا يخفى عليه خافية، وأنه يعلم الكليات والجزئيات ويعلم كل شيء، ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون كما قال سبحانه: {وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَّأسْمَعَهُمْ} [الأنفال: 23] لكنه لم يسمعهم، أليس كذلك؟ لو أسمعهم بالفعل لَمَا امتثلوا لماذا؟ لأن الباري أخبرنا وهو حقٌ لكنه ما وقع ومحال أن يقع، لكن علمه جل وعلا بالمستحيلات كما أنه يعلم الممكنات، لا فرق بينهما عند الباري جل وعلا، حينئذٍ نقول: قوله: {لَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَّأسْمَعَهُمْ} هذا عِلْمٌ أو لا؟ تعلق به علم الباري جل وعلا هل أسمعهم؟ لا، لو أسمعهم لكانت النتيجة ما ذكرها الباري جل وعلا. وقال تعالى: {وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ} [الأنعام: 28] ، {يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ} [الأنعام: 27] يعني للحياة الدنيا، هل يمكن أن يرد؟ نرجع إلى الماضي؟ لا، لكن لو ردوا {لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ} [الأنعام: 28] كيف حصل هذا علم الباري جل وعلا كما أنه يتعلق بالموجودات بالممكنات تتعلق بالمستحيلات، ما المراد بالمستحيلات؟ يعني التي لا يمكن أن تقع، فإنها منافيةٌ لعلم الباري جل وعلا من حيث كون الدنيا انتهت وانقضت فلا عودة ولا رجوع لكن لو أراد الباري أن يعيد الدنيا قادر أم لا؟ قادرٌ، لكنه لن يكون لأنه أخبرنا بذلك جل وعلا.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى في النونية:
وهو العليم أحاط علمًا بالذي ... في الكون من سرٍ ومن إعلانِ
وبكل شيءِ علمه سبحانه ... فهو المحيط وليس ذا نسيان
وكذاك يعلم ما يكون غدًا وما ... قد كان والموجود في ذا الآن
وكذاك أمرٌ لم يكن لو ... كان كيف يكون ذا إمكان
يعني: يتعلق بماذا؟ بالمستحيلات.
في هذه الآية رد على من زعم أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - يعلم الغيب أو لا؟ قال: {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ} [الأنعام: 59] حصرٌ ونفي نفى عن مَنْ؟ عن كل مخلوق، عن كل ما سوى الباري جل وعلا نُفِيَ دخل النبي - صلى الله عليه وسلم -؟ دخل النبي - صلى الله عليه وسلم -، دخل جميع الرسل؟ نعم، الأولياء الصالحون؟ دخلوا.
إذًا النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يعلم الغيب فهي صريحةٌ في أن هذه الخمس لا يعلمها إلا الله سبحانه وتعالى ن كما في الحديث الذي في الصحيحين أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: «مفاتح الغيب خمسٌ لا يعلمهن إلا الله لا يعلم ما في الأرحام إلا الله» .. الحديث.
قال القرطبي رحمه الله تعالى: لا مطمع لأحدٍ في علمٍ شيء من هذه الأمور الخمسة. لا مطمع، والمراد بالغيب المشار إليه هو الغيب المطلق، وهو الشيء الذي لا يعلمه أحد من المخلوقين البتة. إذ الغيب نوعان: نسبي، ومطلق.
النسبي هو الذي يعلمه بعض العباد دون بعض، حينئذٍ هو باعتبار من يعلم ليس بغيب، وباعتبار من لا يعلم غيب لكنه بماذا؟ ليس مطلقًا وإنما باعتبار ماذا؟ باعتبار مَنْ يعلم، وأما الغيب المطلق فهذا لا يعلمه أحدٌ البتة.