إذًا المراد بالغيب المشار إليه هو الغيب المطلق، وهو ما لا يعلمه إلا الله جل وعلا، لا الغيب المقيد وهو ما علمه بعض المخلوقات دون بعضٍ، فهو غيبٌ بالنسبة لمن لم يعلمه دون من علمه، لأنه حاضر فيكون غيبًا عمن غاب عنه من المخلوقين لا عمن شهده، فتلخص أن الغيب ينقسم إلى قسمين: مطلقٍ، ومقيد. والذي يكفر مدعيه هو المطلق لا المقيد.
ثم قال رحمه الله تعالى: (وَقَوْله: {وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلا تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِه} [فصلت: 47] ) . الشاهد في قوله: ( {إِلاَّ بِعِلْمِه} ) . فيه إثبات العلم فابتداء الحمل ماذا؟ بعلم الله، وانتهاء الحمل بعلم الله ( {وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى} ) هذا ابتداء الحمل، ( {وَلا تَضَعُ} ) هذا انتهاء الحمل ( {إِلاَّ بِعِلْمِه} ) إذًا قبله وبعده وما بينهما لا يكون إلا بعلم الباري جل وعلا. قوله: ما. هذه نافيةٌ ليست موصولة وإنما هي نافية، ما نافيةٌ وأنثى ( {وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى} ) ، [نعم] .
فاعل، أي مثل {مَا جَاءنَا مِن بَشِيرٍ} [المائدة:19] أي: {وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ} [الأنعام: 59] طيب. ( {تَحْمِلُ} ) هذا فعل مضارع ( {أُنثَى} ) فاعل ( {مِنْ} ) هذا حرفٌ زائدٌ للتوكيد، أفاد العموم. إذًا كل أنثى سواءٌ كانت الأنثى من بني آدم أو كانت من غير بني آدم من الحيوانات، أليس كذلك؟ هذا وجه من العموم، وجهٌ آخر الأنثى من بني آدم عَدِّد ما شئت، أليس كذلك؟ الأنثى من الحيوانات عدد ما شئت، وكل أنثى من بني آدم ومن غير بني آدم ما تحمل ابتداءً إلا بعلمه جل وعلا، وأنثى فاعل وتَحْمِلُ أي: لا يكون حملٌ ولا وضعٌ إلا والله عالمٌ به، فلا يخرج شيءٌ عن علمه وتدبيره، أي أنه سبحانه يعلم في أي يومٍ تَحْمَل أو تَحْمِلُ، وفي أي يومٍ تضع، وهل هو ذكرٌ أو أنثى؟ هذا فيه عموم، ففي هذه الآية إثبات صفة العلم كما تقدم، وقد تواطأت الأدلة على إثبات هذه الصفة عقلًا ونقلًا، وفيها سعة علمه سبحانه وأنه منفردٌ بعلم ما في الأرحام وعلم مدة إقامته فيها، وهذا أحد أنواع الغيب الذي لا يعلمها إلا الله.