قال السعدي رحمه الله تعالى: القدير كامل القدرة بقدرته أوجد الموجودات، وبقدرته دبرها، وبقدرته سواها وأحكمها، وبقدرته يحيي ويميت ويبعث العباد للجزاء، ويجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته، الذي إذا أراد شيئًا قال له: {كُنْ فَيَكُونُ} . وبقدرته يقلب القلوب ويُصَرِّفُها على ما يشاء ويريد. انتهى كلامه رحمه الله تعالى. وأما الْمُقْتَدِر فمعناه التام القدرة الذي لا يمتنع عليه شيء، قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: الْقَدَرُ قدرة الله. القدر قدرة الله تعالى، واستحسن ابن عقيل هذا من أحمد، والمعنى أنه لا يمنع من قدرة الله شيء البتة، وقد استدل العلماء على إثبات القدر بشمول القدرة والعلم كما سيأتي في محله، وقوله سبحانه في هذه الآية ( {أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} ) عام يتناول كل شيء، أليس كذلك؟ طاعات العباد ومعاصي العباد لا يخرج عنها شيء البتة، عام يتناول كل شيء فقدرته متعلقة بكل شيء، وأنه ما من شيء إلا وهو داخل تحت قدرته فيدخل فيه أفعال العباد من الطاعات والمعاصي، فما من فعل يفعله العبد من طاعة إلا وهو كائن بقدرة الله تعالى ومشيئته، وما من عبد يفعل معصية من المعاصي ولو لم تكن محبوبة للباري جل وعلا راضيًا عنها فلا يخرج عن قدرة الباري جل وعلا ومشيئته أو لا؟ نعم، هو داخل تحت عموم قدرته، فإنها داخلة تحت قدرة الله ومشيئته، وكما أنه المريد لها القادر عليها هم الفاعلون لها، يعني تنسب إلى العباد، وهذا كله فيه رد على المخالفين، لكن هذا خلاصة مذهب أهل السنة والجماعة أن الباري جل وعلا لا يخرج عن قدرته شيء البتة، ما من فعل كائن لأي مخلوق إلا وهو تحت قدرة الباري جل وعلا، ولا يقع إلا بعلمه ومشيئته وقدرته سواء كان راضيًا عنه أو لا، واضح هذا؟ هذا معتقد أهل السنة والجماعة.
ومن الذي يفعل الطاعات؟ العباد، لأنها كائنة بأفعالهم كما نقول: ... ( {يَعْلَمُ مَا يَلِجُ} ) أُسند الفعل إلى الفاعل فهو لفظ حقيقةً، صلَّى زيد ينسب لمن؟ لزيد، عصى زنا .. إلى آخره زيد يُنسب لمن؟ لزيد، إذًا الفعل الصادر منه ينسب إليه ولا ينسب إلى الباري جل وعلا، ولو كان بقدرة الباري جل وعلا وعلمه ومشيئته، وكما أنه المريد لها القادر عليها هم الفاعلون لها الواقعة بقدرتهم ومشيئتهم، فالله جل وعلا جعل ماذا؟ جعل للعباد قدرة ومشيئة، وهي سبب لإيجاد الفعل، ولكن لا تخرج قدرتهم عن قدرة الباري جل وعلا، ولا تخرج مشيئتهم عن مشيئة الباري جل وعلا وهذا قد يأتي معنى في محله كما قال سبحانه: {لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ} [التكوير: 28] . ثم قال: {وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [التكوير: 29] .