قال الزجاجي: القدير أبلغ بالوصف بالقدرة من القادر. وهو كذلك لأن فعيل صفة مشبهة والقادر اسم فاعل دل على ماذا؟ ماذا نستفيد من لفظ القادر؟ دل على ذاتٍ متصفة بصفة القدرة، إذًا القادر يعني: ذو القدرة. والقدير يعني: الذي بلغ النهاية في هذه القدرة، فرقٌ بينهما، ولذلك قال الزجاجي: القدير أبلغ بالوصف من القادر. وقال ابن الأثير: القادر اسم فاعل من قَدِرَ يَقْدُرُ والقدير فعَيل منه وهو للمبالغة، والمقتدر من اقتدر وهو أبلغ لأن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى. وعلل ذلك الزجاجي بقوله: المقتدر مبالغةٌ في الوصف بالقدرة. والأصل في العربية أن زيادة اللفظ زيادة المعنى، فلما قلت: اقتدر أفاد زيادة اللفظ زيادة المعنى. في اقتدر فيه التاء والألف، الألف والتاء قوله تعالى: {وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا} [الطلاق: 12] فلا يخرج حادثٌ من الأعيان والأفعال عن قدرته وخلقه كما لا يخرج عن علمه ومشيئته {قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا} المراد بالإحاطة هنا الإحاطة العلمية لأنها مقيدة مخصوصة {قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا} فالإحاطة هنا مخصوصة بالإحاطة بالعلم لقوله: {أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا} وهذا بعض معنى إحاطة الله بخلقه التي هي من معنى قوله تعالى: ... {أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطٌ} [فصلت:54] أيهما أعم؟ {أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطٌ} بعلمه وقدرته ومشيئته، أليس كذلك؟ فهو عام، أما قوله هنا في الآية {وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا} خصّ، وعلمًا هذا تيميز دل على التخصيص، إذًا ما عداه ليس مرادًا هنا، لكن لا ينفي أن إحاطته جل وعلا أعم من ذلك {أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطٌ} فالإحاطة هنا أعمّ من كونها إحاطة علمٍ، فتفسر هذه الآية {بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطٌ} بأنها إحاطة علمٍ وقدرةٍ وسعةٍ وشمولٍ أربعة أشياء، وذكر الله عز وجل العلم القدرة بعد الخلق لأن الخلق لا يتم إلا بعلمٍ وقدرة كذلك، ومر معنا أن صفات الباري جل وعلا يدل بعضها على بعضٍ لدلالة الالتزام، إذا قيل العليم معناه ماذا؟ متصف بصفة الحياة، إذ ليس عندنا ذات متصفة بعلم وهي ليست متصفة بصفة الحياة، ودلالة الخلق على العلم والقدرة من باب دلالة الالتزام كما ذكرنا سابقًا، وقد سبق أن دلالات الأسماء على الصفات ثلاثة أنواع لأنه قال: ( {لِتَعْلَمُوا} ) . اللام للتعليل، لأن الله قال: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ} .. الآية، فقد خلق هذه السماوات السبع والأراضين السبع وأعلمنا بذلك لنعلم {أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} .