محمدٌ مقدم ولا شك، ثم إبراهيم، ثم موسى كليمه، وأما عيسى، ونوح بين أهل العلم خلاف أيهما أولى في التقديم من الآخر. قال المصنف: ... (بِالْهُدَى) ، (أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى) ، (بِالْهُدَى) هذا جار مجرور متعلق بقوله: (أَرْسَلَ) ، (أَرْسَلَ) بماذا؟ (بِالْهُدَى) لذلك الجار المجرور دائمًا يُتَمِّمُ المعنى، كيف تعرفه (أَرْسَلَ) بماذا؟ (بِالْهُدَى) . إذًا (بِالْهُدَى) جار المجرور متعلق بقوله: (أَرْسَلَ) نعم، (بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللهِ شَهِيدًا.) قوله: (بِالْهُدَى) الهدى المراد به هنا العلم النافع، والباء هنا إما للمصاحبة، وإما للتعدية، يحتمل هذا ويحتمل ذاك، (وَدِينِ الْحَقِّ) أي العمل الصالح. إذًا (أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ) ، وقلنا: (رَسُولَهُ) يحتمل أنه للجنس، حينئذٍ كل رسولٍ أرسل بالهدى يعني العلم النافع، وثانيًا (دِينِ الْحَقِّ) يعني العمل الصالح، لأن الدين هو العمل أو الجزاء عن العمل، يعني يطلق الدين ويراد به العمل، ويطلق الدين ويراد به الجزاء على العمل، والمراد به هنا العمل وليس الجزاء. قوله تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسْلاَمُ} [آل عمران: 19] المراد بالدين هنا العمل {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسْلاَمُ} مراد به العمل، قوله تعالى: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ} [الانفطار: 17] يعني: يوم الجزاء. إذًا يطلق الدين ويراد به العمل، ويطلق الدين ويراد به الجزاء. والحق ضد الباطل، دين الحق يعني الدين منه ما هو حق ومنه ما هو باطل، والحق ضد الباطل وهو المتضمن بجلب المصالح ودرء المفاسد في الأحكام والأخبار، يعني الدين الحق هو المتضمن بجلب المصالح ودرء المفاسد في الأحكام والأخبار، وهو ما كان مستنده الوحي (لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ) اللام للتعليل هنا ... (لِيُظْهِرَهُ) أي لأجل أن يُظهر، فاللام للتعليل، والظهور بمعنى العلو، ... (لِيُظْهِرَهُ) ليعليه حينئذٍ الظهور بمعنى العلو، ومنه ظهر الدابة أعلاها، وظهر الأرض سطحها كما قال تعالى: {وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍ} [النحل: 61] ، {مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ} [فاطر: 45] أي يُعليه وينصره، والنصر والعلو إما أن يكون باللسان، وإما أن يكون بالسنان، وأطلق هنا ولم يقيد فيعم النوعين، يظهره بماذا؟ بالحجة واللسان، وينصره كذلك ويعليه بماذا؟ بالسنان يعني بالجهاد فينصره الله عز وجل. قال هنا: أي يُعْلِيَهُ وينصره ظهورًا بالحجة والبيان والسيف والسنان حتى يَظْهَرَ على مخالفيه.