الصفحة 38 من 883

وقد وقع ذلك فإن المسلمين جاهدوا في الله حق جهاده حتى فتح الله عليهم فاتسعت رقعت البلاد الإسلامية شرقًا وغربًا في مدةٍ يسيرة مع قلة عددهم وعُدتهم بالنسبة إلى جيوش سائر الأقاليم من الروم والفرس والترك والبربر وغيرهم، فقهروا الجميع حتى علت كلمة الله وظهر دينه على سائر الأديان، وامتدت الممالك الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها في أقل من ثلاثين سنة، وهذا واقع يعني: في زمن الصحاب رضي الله تعالى عنهم ومن بعدهم، وعلى هذا فالضمير في قوله: (يُظْهِرَهُ) يعود على الـ (دِينِ الْحَقِّ) على ما سبق بيانه (لِيُظْهِرَهُ) أي يظهر الدين الحق، فكل من قاتل للدين الحق حينئذٍ سيكون هو العالي، لا بد من صلاح النوايا لأن الله تعالى يقول: {يُظْهِرَهُ} [الفتح: 28] . هذا وعدٌ من الله عز وجل يظهر هذا الدين (عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ) وأما ما لا دين له فمن بابٍ أولى وأحرى أن يظهره الله عز وجل على كل الأديان، ويحتمل أن يكون الضمير عائدًا إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - (يُظْهِرَهُ) أي يظهر الرسول - صلى الله عليه وسلم - ويعليه وينصره على مخالفيه، وإذا نصره الله عز وجل نصر دينه فهما متلازمان، يعني على كلا التقديرين من تمسك بهذا الدين الحق فهو الظاهر والعالي، سواءً كان متبعًا للنبي - صلى الله عليه وسلم - فهو متبعٌ للدين الحق، أو اتبع دين الحق فهو متبعٌ للنبي صلى الله عليه وآله وسلم. قوله: (عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ) أي على سائر الأديان، ومن لم يكن له دين فمن بابٍ أولى وأحرى، كما ثبت في الصحيح من حديث ثوبان أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وأن ملك أمتي سيبلغ ما زُوِيَ لي منها» . هذا يدل على ماذا؟ على أن الله عز وجل سينصر أمته بذلك، وما في هذا الحديث أخبر به الرسول - صلى الله عليه وسلم - في أول الأمر، وأصحابه في غاية القلة، قبل فتح مكة، فكان كما أخبر فإن ملكهم انتشر في المشرق والمغرب ما بين أرض الهند أقصى المشرق إلى بحر طنجة في المغرب حيث لا عمارة وراءه، وذلك ما لم تملكه أمةٌ من الأمم. وجاء في حديث جابر: «إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، والذي نفسي بيده لَتُنْفَقَنَّ كنوزهما في سبيل الله» . أخرجاه في الصحيحين، وهذا يدل على أن الله عز وجل نصر هذه الأمة وسينصرها كذلك في آخر الزمان لكن بشرطه. قوله: (وَكَفَى بِاللهِ شَهِيدًا) الباء هنا زائدة لتحسين اللفظ كما هو مشهورٌ عند النحاة، وفيه مبالغةٌ في الكفاية، وأصلها كفى الله. والله هذا فاعل، ولذلك تعربه هكذا: وكفى بالله. لفظ الجلالة هنا فاعل مرفوع ورفعه ضمة مقدرة منعًا من ظهوره اشتغالها المحل بحركة حرف الجر الزائدة. نعم، فالباء في قوله: (بِاللهِ) زائدةً لتحسين اللفظ والمبالغة في الكفاية، وأصلها وكفى الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت