و (شَهِيدًا) هذا تمييز محول عن الفاعل لأن أصلها وكفت شهادة الله {وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا} [مريم: 4] يعني مثله، اشتعل شيبُ الرأسِ، وحذف الفاعل المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه فارتفع ارتفاعه فصار فيه إبهام وحينئذٍ جئنا بالمحذوف فنصبناه على أنه تمييز، {وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ} ماذا؟ نارًا! قملًا .. إلى آخره؟ احتمل، لِمَا حذفت المضاف وأقمت المضاف إليه مقامه صار فيه إشكال، اشتعل شيب الرأس {اشْتَعَلَ الرَّأْسُ} ماذا؟ حصل إبهامٌ حينئذٍ احتجنا إلى التمييز فجاء كاشفًا للنسبة {وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا} إذًا لا نارًا ولا غيره. (وَكَفَى بِاللهِ شَهِيدًا) أي شاهدًا أنه رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وهو ناصره ومعليه، وكفى بشهادته سبحانه إثباتًا لصدقه، (وَكَفَى بِاللهِ شَهِيدًا) أي في علمه واطلاعه على أمر محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - كفايةً في صدق هذا الْمُخْبِرُ عنه، إذ لو كان مفتريًا لعاجله بالعقوبة البليغة كما قال ابن القيم رحمه الله تعالى: في كلامٍ جميل كما قال تعالى: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ} [الحاقة: 44،45] إذًا شَهِدَ الله عز وجل بمعنى أنه اطلع على من ادَّعَى النبوة، وأَنَّهُ أُوحِيَ إليه، ومع ذلك نصره ومكنه من أعدائه ونشر دينه في سائر بقاع الأرض، هذا يدل على ماذا؟ يدل على أنه كاذبٌ أم صادق؟ على أنَّه صادق، حينئذٍ شهد الله بصدق نبيه - صلى الله عليه وسلم -، ومن أسمائه سبحانه الشهيد. قال الله تعالى: {أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [فصلت: 53] أي أنه لا يغيب عنه شيء، ولا يعزب عنه، بل هو مطلعٌ على شيءٍ مشاهدٌ له عليمٌ بتفاصيله، فشَهِدَ سبحانه لرسوله - صلى الله عليه وسلم - أن ما جاء به حقٌّ وصدقٌ، فلا يليق به سبحانه أن يُقِرَّ من يكذب عليه أعظم الكذب بأنه رسول، ويخبر عنه بخلاف ما الأمر عليه، ثم ينصره ويؤيده ويعلي شأنه ويجيب دعوته، ويظهره على دينه من الآيات والبراهين ما يعجز عن مثله قوى البشر - يعني ادَّعَى أَنَّهُ نبي وادَّعَى أنه أُوحِيَ إليه ومع ذلك ثَمَّ آياتٌ معجزات تؤيد قوله - هل نقول: هذا الله عز وجل مَكَّنَهُ دون أن يكون صادقًا؟ الجواب: لا. إذًا كونه شهيدًا اطلع على ذلك وعلم ورأى ومع ذلك مكنه فدل على صدق رسوله - صلى الله عليه وسلم -، ويظهر على دينه من الآيات والبراهين ما يعجز عن مثله قوى البشر، وهو مع ذلك كاذبٌ عليه ومفترٍ، ومعلومٌ أن شهادته سبحانه على شيء واطلاعه وقدرت وحكمته وعزته وكماله يأبى ذلك أشد الإيباء، والكلام لابن القيم رحمه الله تعالى، ومن جَوَّزَ ذلك فهو من أبعد الناس عن معرفته سبحانه. انتهى كلام ابن القيم رحمه الله تعالى باختصار.