وهذه الجملة التي ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى اقتباسٌ من قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا} [الفتح: 28] . قال المصنف: (وأَشْهَدُ أَن لاَّ إلَهَ إِلاَّ اللهُ) أتى بالشهادة، وهي من المستحبات عند المصنفين أن يأتي بالبسملة والحمدلة، وكذلك الشهادتين، وبعضهم يعبر عنها بالواجب، أربعة أمور واجبة، وأربعة أمور مستحبة.
البسملة، والحمدلة، والشهادتين. هذه من الواجبات عندهم يعني الواجب الصناعي التي جرت عليها عادت المؤلفين.
قوله: (أَشْهَدُ) هذا فعل مضارع مُسندٌ إلى الفاعل ولا يصح أن يقال: نشهد، لأن الشهادة إنما تعبر عن اعتقاد قائلها ولا ينوب شخصٌ عن شخصٍ في التوحيد، الشهادة هذه تعبر عن التوحيد، وهي التوحيد، فحينئذٍ لا يقال نشهد أن لا إلا الله هذا غلط، والمقام هنا ليس مقام إخبار عن الغير لأنه يخبر عن نفسه فقط، وليس المقام كذلك مقام تعظيم للنفس، إن الحمد لله نحمده هذا يحتمل أنه يُعَبِّرُ عن غيره لأنه أخبر بالحمد، وأما ما وقر في القلب لأن أصل الشهادة أن يكون محلها القلب، واللسان دليلٌ عليها، ولا تصح الشهادة باللسان دون اعتقادٍ بالقلب، حينئذٍ لا ينوب شخصٌ عن شخصٍ. أشهد أي أُقِرُّ بقلبي واعترف بلساني، أُقِرُّ وأعترف، يعني لا بد من الجمع بين الأمرين، إقرارٌ واعتقادٌ بالقلب ونطقٌ باللسان، أما الاعتقاد بالقلب دون النطق باللسان فلا يكفي، لا يكون مسلمًا، لو جاء كافر وبين له حقيقة الإسلام قال: إذًا اعتقدت في قلبي ما قلته ولم ينطق بالشهادة يجزئ؟ لا يجزئ، بإجماع أهل العلم، لا بد أن يلفظ بأشهد أن لا إله إلا الله، ولو نطق ولم يعتقد هذا شأن المنافقين {يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ} [الفتح: 11] وحينئذٍ نقول: هذا شأن النبلاء لا بد من الجمع بين الأمرين: الاعتقاد والاعتراف. إذًا أشهد أي أُقِرُّ بقلبي وأعترف. الاعتراف يكون باللسان ناطقًا بلسانه ألا معبود بحقٍ إلا الله، (لاَّ إلَهَ إِلاَّ اللهُ) يعني لا معبود بحقٍّ أو حقٌّ إلا الله، فإله بمعنى مَأْلُوه أي معبود، وهو المبتدأ، وخبره محذوف تقديره حقٌّ أو بحقٍّ يجوز الوجهان، والباء حينئذٍ تكون زائدةً للتوكيد، والخبر يكون محذوفًا، ولفظ الجلالة الله بعد الاستثناء يكون بدلًا من الضمير المستتر في حقّ أو بدلًا من الخبر. ألا معبود بحقٍّ إلا الله، وتأتي شَهِدَ بمعنى أخبر كما في حديث ابن عباس (( شهد عندي رجالٌ مرضيون وأرضاهم عندي عمر ) )أي أخبرني. إذًا شهد لا بد فيها من الإخبار، وتأتي بمعنى حضر كما في قوله سبحانه: {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: 185] . يعني: حضر الشهر، وكان مقيمًا احترازًا عن المسافر، وتأتي بمعنى اطلع كما في قوله سبحانه: {وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [المجادلة: 6] . أي مطلعٌ، أفاده ابن القيم رحمه الله تعالى في كتاب (( بدائع الفوائد ) ).
(أَن لاَّ إلَهَ إِلاَّ اللهُ) ، (أَنّ) هذه (أَن) مخففةٌ من الثقيلة
وَإِنْ تُخَفَّفُ أَنَّّ فَاسْمُهَا اسْتَكَنَّ