قال ابن جرير رحمه الله تعالى: وقوله: {وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} . في آيةٍ ما يقول جل ثناؤه واصفًا نفسه بما هو به، وهو يعني نفسه، السميع لما تنطق به خلقه من قولٍ. يعني السميع متضمن لصفةٍ السمع، والمراد هنا على تفسيره رحمه الله تعالى أن المراد بالسمع هو إدراك المسموعات، وهو أحد معاني السمع الثلاثة، حينئذٍ نقول: السميع {وَهُوَ السَّمِيعُ} على ما قاله جرير وهو سلفي المعتقد بأن السميع المراد به إدراك المسموعات، وهو من معاني أو من معاني لفظ السميع الثابت للباري جل وعلا، ولذلك قال: السميع لما تنطق به خلقه من قولٍ. أي السميع لأقوال عباده كما قال ابن كثير رحمه الله تعالى، وقال الخطابي: السميع بمعنى السامع. يعني: فَعِيل صيغة مبالغة، بمعنى السامع هذا في الأصل، إلا أنه أبلغ في الصفة، يعني: أيهما أكثر معنًى، ما جاء على صيغة المبالغة أكثر معنًى مما جاء على صيغة اسم الفاعل، ولذلك الغالب في أسماء الباري جل وعلا أنها تأتي على زنة أمثلة المبالغة لدلالة على كثرت المتعلَّقات، السميع بمعنى السامع إلا أنه أبلغ بالصفة، وبناؤه فَعِيل بناء المبالغة كقولهم: عَلِيم من عَالِم. أيهما أبلغ في المعنى عالم أم عليم؟ عليم، هذا في لسان العرب، حينئذٍ نفسر كما مر معنا القاعدة مرارًا نفسر آيات الصفات بما تقتضيه القواعد اللغوية، ومن المتفق عليه عند الصرفيين عند النحويين بأن فَعِيل أبلغ من فَاعِل، حينئذٍ السميع أبلغ من سامع، والعليم أبلغ من عالم، وإذا جاء كلٌّ منهما في الكتاب فلا إشكال فيه، لأن عالم يدل على ماذا؟ على إثبات صفة العلم، وأنها صفة لازمة للذات، عليم دل على زيادة أخرى كما جاء مُقْتَدِر وقَدِير وقَادِر حينئذٍ نقول: كل واحد من هذه الأسماء أثبت معنًى لم يثبته اللفظ الآخر أو الاسم الآخر وإن اشتركا في أصل المعنى، إذًا ثَمَّ اشتراك في أصل المعنى بين قدير وبين قادر ومقتدر إلا أن مقتدر أبلغ من قدير، وقدير أبلغ من قادر، لماذا؟ لأن هذا الذي دل عليه لسان العرب وهو التفرقة بين هذه الأوزان الثلاثة كل واحد منها يدل على معنى أو على زيادة المعنى لم يدل عليه اللفظ الآخر، إذًا عليم مأخوذ من عالم، وقدير من قادر، وهو الذي يسمع السر والنجوى سواء عنده الجهر والخفوت والنطق والسكوت هكذا قال الخطابي، ثم قال: وقد يكون السمع بمعنى القبول والإجابة. هذا المعنى الثاني للسمع ما دل عليه لفظ السميع، الأول بمعنى إدراك المسموعات، وقد يكون السمع بمعنى القبول والإجابة كقول النبي - صلى الله عليه وسلم: «اللهم إني أعوذ بك من قول لا يُسْمَع» . «قول» المراد به الدعاء يعني: من دعاء لا يسمع، وليس المراد بأنه لا يسمعه الباري جل وعلا بمعنى الإدراك إدراك المسموعات، وإنما المراد به ماذا؟ هو مسموع للباري جل وعلا لكنه لا يقبل «من قول لا يسمع» ، أي: دعاء لا يجاب أو لا يستجاب، ومن هذا قول المصلي: (سمع الله لمن حمده) يعني أجاب الله لمن حمده، فسمع هنا ضمن معنى أجاب، معناه قبل الله حمد من حمده. قال الزجاج: ويجيء في كلامهم سمع بمعنى أجاب.