الصفحة 378 من 883

الأول: سمعٌ يراد به عموم إدراك سمع الله تعالى بأنه لا يفوته شيءٌ من الأصوات كقوله تعالى: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا} [المجادلة: 1] . وهذا هو الأصل فيها، الأصل في إثبات صفة السمع ماذا؟ أن هذه الصفة محيطةٌ بكل مسموعٍ، ما من صوتٍ إلا والباري جل وعلا يسمعه، ما من حديثٍ وقولٍ إلا والباري جل وعلا يسمعه، ففيه بيان أحاطت سمع الله تعالى بكل مسموعٍ ولهذا قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: الحمد لله الذي وَسِعَ سمعه الأصوات. بمعنى أنه ماذا؟ ما من صوتٍ إلا والباري جل وعلا يسمعه، تقول: والله إني لفي الحجرة وإن حديثها ليخفى عليّ بعضه. وهذا النوع من السمع من الصفات الذاتية كما ذكرنا، وإن كان المسموع قد يكون حادثًا، يعني يمكن أن يُعبر هنا كما يعبر في الإرادة لأنها أزلية النوع حادثة الآحاد، بمعنى أن هذا السمع حادثٌ باعتبار ماذا؟ باعتبار المسموع، وأما باعتبار النوع فهو صفةٌ قديمة.

إذًا هذا النوع الذي مراد به الإحاطة والشمول بأن صفة السمع محيطةٌ بكل مسموع هذا صفةٌ ذاتية متعلقةٌ بالباري جل وعلا.

الثاني من أنواع سمع الإدراك: سمعٌ يُراد به النصر والتأييد، كقوله تعالى لموسى وهارون {إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى} [طه: 46] . هذا فيه ماذا؟ فيه تأكيد وفيه نصرة وفيه تأيبد، وهذا النوع من السمع من الصفات الذاتية أم الفعلية؟ الفعلية، القاعدة هنا بارك الله فيكم كل ما علق بسببٍ حينئذٍ نقول: هذا من الصفات الفعلية، وكل ما علق بالمشيئة فهو من الصفات الفعلية. حينئذٍ نقول: هذا النوع سمع التأييد والنصرة لأوليائه جل وعلا المراد به أنه صفةٌ فعلية لأنه معلقٌ بسببٍ يعني مقرون بسبب.

الثالث من أنواع سمع الإدراك: سمعٌ يراد به الوعيد والتهديد كقوله تعالى: {أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ} [الزخرف: 80] . {أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ} حينئذٍ نقول: المراد به هنا التهديد والتخويف والوعيد. وهذه ثلاث معاني تتعلق بالنوع الأول وهو سمع الإدراك قد يكون المراد به الإحاطة والشمول وهذا هو الأصل فيه، وقد يراد به النصر والتأييد، وقد يراد به الوعيد والتهديد، وكل مقامٍ يفسر بحسبه. قال ابن القيم رحمه الله تعالى في (( النونية ) ):

وهو السميع يرى ويسمع كل ما ... في الكون من سر ومن إعلان

ولكل صوتٍ منه سمعٌ حاضر ... فالسر والإعلان مستويان

والسمع منه واسع الأصوات لا ... يخفى عليه بعيدها والداني

أما الاسم الآخر الذي ذكر في هذه الآية وهو ( {البَصِيرُ} ) وما أكثر ما يقترن اسمه السميع بالبصير، والبصير بالسميع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت