ورد اسمه تعالى البصير في القرآن اثنتين وأربعين مرة هذا يدل على ماذا؟ على أن متعلق هذه الصفة مما يحتاجه البشر يعني العلم به، منه قوله تعالى: {وَاللهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} [البقرة: 96] ، و {إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ} [الملك: 19] . والآية التي معنا والبصير بمعنى المدرك لجميع الْمُبْصَرَات يعني السمع إدراك المسموعات، والبصر إدراك المبصرات، حينئذٍ البصر يتعلق بماذا؟ بالمشاهد بالمرئي والسمع يتعلق بماذا؟ بالصوت باللفظ، إذًا حصل ماذا؟ وما يصدر من إنسان إما قولٌ وإما فعلٌ أو لا؟ ما يصدر من الخلق إما قولٌ يُسْمَع، وإما فعلٌ يرى، فحينئذٍ في هذين الاسمين إحاطةٌ بالخلق من كل وجهٍ، فما من صوتٍ أو لفظٍ إلا ويسمعه الباري جل وعلا، وما من فعلٍ إلا ويراه جل وعلا. إذًا البصير بمعنى المدرك لجميع المبصرات. قال ابن جرير: يعني جل ثناؤه بقوله: {وَاللهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} . والله ذو إبصارٍ بما يعملون، {وَاللهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} والله ذو إبصارٍ، لماذا قال ذو ها؟ [نعم] أراد به ماذا؟ أن البصير دل على ذاتٍ، ولذلك أهل العلم دائمًا في التفسير وفي الفقه يذكرون القواعد ضمنًا، بعض طلاب العلم يقول: التفسير ليس فيه قواعد. لا، ما من آيةٍ تفسر إلا وتجد القاعدة في ضمن ما فُسِّرَ به، هنا لا يقول لك مثلًا: البصير علمٌ دالٌ على ذاتٍ وصفة هذا انتهى منه تجاوزه الطالب، يأخذه في أول مراحله، ثم بعد ذلك يأتي التطبيق لا يحتاج إلى أن ينصٍ عليه فقوله: ذو بصرٍ ماذا قال هنا؟ ذو إبصارٍ يعني صاحب إبصارٍ، أخذه من دلالة العلم على الذات، فكل علمٍ يدل على ذاتٍ وقدرٍ زائدٍ على الذات وهو الصفة التي دل عليها ذلك الاسم، فالبصير يعني ذو إبصار. ذو إبصار يعني ذاتٌ متصفةٌ بصفة البصر، هذا المراد به. قال: والله ذو إبصارٍ بما يعملون لا يخفى عليه شيءٌ من أعمالهم، وهذا تعميم، بل هو بجميعها محيطٌ ولها حافظٌ ذاكر حتى يذيقهم بها العقاب جزاءها، وهذا يدل على ماذا؟ على أن الأصل في حمل مدلول أسماء الباري جل وعلا هو العموم والشمول والإحاطة، ولا نخص بتهديدٍ أو بوعيدٍ إلا بقرينةٍ وسبب، فالأصل فيها ماذا؟ الإحاطة والشمول. وقال: وأصل بصيرٍ مبصر يعني فعيل بمعنى ماذا؟ مُفْعِل [نعم] ، ومفعِل هذا اسم فاعل، مُفْعَل اسم مفعول، إذًا بصير فعيل بمعنى مُبْصِر يعني بمعنى مُفْعِل، من قول القائل: أبصرتُ فأنا مُبْصِرٌ، ولكن صُرِفَ إلى فعيل يعني نقل إلى فعيل كما صُرِفَ مُسْمِع إلى سَمِيع وعذابٍ مُؤْلم إلى أليم، ومبدع السماوات إلى بَدِيع، وما أشبه ذلك بالدلالة على المبالغة، على كثرة مدلول اللفظ كما قلنا: عليم وعالم، قدير وقادر، فالقواعد اللغوية المطردة المتفق عليها تدل على أن ثَمَّ فرقًا بين اللفظين، ويُطلق البصير بمعنى العليم كما أنه يطلق بمعنى المدرك للمبصرات. قال الخطابي: البصير هو المبصر ويقال البصير العالم بخفيات الأمور.