هذا تأويل أم لا؟ هل نقول: تفسير البصير بمعنى العالم تأويلٌ أم لا؟ متى نقول: تأويل؟ ومتى لا نقول تأويل؟ إن حصر اللفظ في معنى العلم فهو تأويلٌ، وإن أثبت المعنى الأصلي الذي هو إدراك المبصرات فليس بتأويل، لأن اللفظ قد يكون له معانٍ في لسان العرب وعرفنا فيما سبق أن القاعدة هو حمل الأسماء والصفات على مدلولات الألفاظ اللغوية، فما تعدد معناه واختلف استعمال العرب لذلك اللفظ في عدة معانٍ وليس بينها تضاد حُمِلَ اللفظ على جميع المعاني، لو قصره على أحد المعاني وهو يخالف ظاهر اللفظ البصير الذي هو إدراك المبصرات قلنا: هذا تأويل، لكن إذا أثبت المعنيين لا نقول: هذا تأويل، ولذلك قال: ماذا؟ البصير هو المبصر هذا هو ظاهر اللفظ، ويقال. يعني يحمل ويطلق البصير العالم بخفيات الأمور وهذا ثابتٌ حقّ، إذًا يُطلق البصير بمعنى العالم بخفيات الأمور، ويطلق البصير وهو الأصل في معناها اللغوي بمعنى المدرك للمبصرات.
قال ابن كثير رحمه الله تعالى: {وَاللهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ} . [آل عمران: 15] . أي هو عليمٌ فسره بماذا؟ بالعلم، وهذا لا إشكال فيه، ليس هذا بتأويل، لا يستعجلن الطالب ويقال: هذا تأويل وتحريف ويتهم أهل العلم؟ لا، هذا تفسيرٌ للفظ بأحد معانيه مع إثبات المعنى الأصلي. قال ابن كثير: {وَاللهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ} . أي هو عليمٌ بمن يستحق الهداية ممن يستحق الضلالة، وهو الذي {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} ، وما ذلك إلا لحكمته ورحمته، وعلى هذا التقرير السابق يكون للبصير معنيان:
الأول: أن له بصرًا يرى به سبحانه وتعالى فهو إدراك المبصرات.
الثاني: أنه ذو بصيرةٍ بالأشياء الخبير بها. الذي قال فيه الخطابي: البصير العالم بخفيات الأمور.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى:
وهو البصير يرى دبيب النملة السـ ... ـوداء تحت الصخر والصوانِ
ويرى مجاري القوت في أعضائها ... ويرى نياط عروقها بعيانِ
ويرى خيانات العيون بلحظها ... ويرى كذاك تقلب الأجفانِ