الصفحة 382 من 883

قال المصنف رحمه الله تعالى: (وقولِهِ) بالخفض كما ذكرنا فيما سبق ( {إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا} [النساء: 58] ) ، هذه الآية كذلك فيها إثبات صفة السمع والبصر، ( {نِعِمَّا يَعِظُكُمْ} ) ، يعني بتشديد الميم، الأصل نِعْمَ مَا، نِعْمَ العبد زيد مثلًا، حينئذٍ نقول: نِعْمَ على أصلها، ومَا هذه موصولة أو نكرة موصوفة، الأصل نِعْمَ مَا، ثم أدغمت الميم في الميم من باب الإدغام الكبير لأن الحرف الأول متحرك، نِعْمَ مَا، والأصل في الإدغام ماذا؟ أن يكون الأول ساكن والثاني متحرك، هذا الأصل فيه، فحينئذٍ نقول: هذا من الإدغام الكبير، لأن الحرف الأول هنا محرك، وشرط الإدغام أن يكون الأول ساكنًا، ونِعْمَ من ألفاظ المدح، ومَا قيل نكرة موصوفة كأنه قيل نِعْمَ شيئًا يعظكم به، أو موصولة، أي: نعم الشيء الذي يعظكم به، حينئذٍ ( {نِعِمَّا} ) نقول: نِعْمَ مَا، شيئًا أو الشيء يحتمل أنها موصولة، ويحتمل أنها نكرة موصوفة، ( {يَعِظُكُمْ} ) أي يأمركم به من أداء الأمانات، والحكم بين الناس بالعدل وسماه موعظة لأنه مما تصلح به القلوب، وكل ما يصلح القلوب فهو موعظةً، {قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ} حينئذٍ {قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ} [يونس: 57] سمى القرآن كله ماذا؟ سماه كله موعظة، القرآن كله من أوله إلى آخره موعظة، بخلاف ما اصطلح عليه بعض أهل العلم بأن المراد بالموعظة ماذا؟ ذكر الجنة والنار وما يُرقق القلوب، القرآن كله يُرقق القلوب وكله موعظة، حينئذٍ لا فرق بين أوله وآخره، قوله: ( {إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا} ) أي إنه سبحانه سميع لما تقولون، وبصير بما تفعلون، وكان هنا فعل ماضٍ مسلوب الزمن، هذا جاء مثال معنا، ( {إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا} ) لو أخذنا بظاهرها اللغوي قلنا: كان وانقطع هذا الأصل فيها، لأن الأصل في الفعل الماضي أن يدل على حدوث شيء وانقطاعه وعدم الديمومة، الديمومة هو التعلق بالاستمرار، إنما يدل عليه بماذا؟ بالفعل المضارع، إذا أريد الاستمرار أُتي بالفعل المضارع، وأما الماضي فيدل على الانقطاع، كان هنا فعل ماضي مسلوب الزمن يُراد به التحقيق، وهذا واضح بين، ولذلك أهل الأصول يختلفون هل كان من صيغ العموم أم لا؟ وهذا كثيرًا ما يأتي في الأحاديث كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول كذا ويفعل كذا هل يدل على ماذا؟ على الاستمرار، لا على أنه قاله مرة واحدة وانتهى أمره، هذه الآية كالتي قبلها تدل على إثبات السمع والبصر لله حقيقةً كما يليق بجلال الله وعظمته، وفيه دليل على أن صفة السمع غير صفة البصر، ومر معنا ذلك إذ العطف يقتضي المغايرة، فالأعلام بالنظر إلى الذات مترادفة لأنها كلها أعلام لذات واحدة، وبالنظر إلى الصفات هي متباينة، لأنها كل صفةٍ غير الصفة الأخرى، فالسمع غير البصر وكذلك العلم وهلم جرا وهذا محل وفاق بين أهل اللغة وبين أهل الصرف وبين أهل البيان وبين أهل السنة والجماعة، لا خلاف بأن ما دل عليه العليم غير ما دل عليه اسمه الحكيم، وكذلك السميع والبصير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت