الصفحة 386 من 883

الآية الثانية التي أوردها المصنف لإثبات المشيئة والإرادة قوله: ( {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُواْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ} [البقرة: 253] ) قوله: ( {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ} ) . أثبت فيه المشيئة ( {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُواْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ} ) لو حرف امتناع لامتناع لولا زيدٌ لأكرمتك ما الذي امتنع؟ لولا زيدٌ لأكرمتك امتنع ماذا؟ الإكرام لوجود زيدٍ، لولا زيدٌ لأكرمتك. وإذا كان جوابها منفيًا بما فالأفصح حذف اللام لأن اللام للتوكيد والنفي ينافي التوكيد، وإذا كان مثبتًا فالأكثر ثبوت اللام كقوله: {لَوْ نَشَاء جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا} [الواقعة: 70] . هنا قال: {وَلَوْ شَاء اللهُ مَا اقْتَتَلُواْ} [البقرة: 253] . ما هذه نافية. {لَوْ} . هذا قلنا: حرف امتناع الامتناع، امتنع كذا لامتناع كذا، لولا وجود زيدٌ لأكرمتك، وقوله: {مَا} هذه نافيةٌ، و {اقْتَتَلُواْ} حينئذٍ نقول: هذا الجواب جواب لو، إذا كان جواب لو مُصَدَّر بما وهي نافيةٌ حينئذٍ الأكثر عدم دخول اللام لأن اللام للتوكيد والنفي نفيٌ للتوكيد فتعارضا، وأما إذا لم يكن مُصَدَّرًا بما التي هي حرف نفي فالأكثر دخول اللام ويقل عدم دخولها، وورد في غير الأكثر {لَوْ نَشَاء جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا} ما قال جعلناه كالآية السابقة أي لو شاء سبحانه عدم اقتتالهم لم يقتتلوا، لكنهم اقتتلوا إذا شاءه الباري جل وعلا، أي لو شاء سبحانه عدم اقتتالهم لم يقتتلوا إذ لا يجري في ملكه إلا ما شاء سبحانه، فهذه الآية فيها إثبات المشيئة لله سبحانه وتعالى، وأن ما شاءه لا بد من وقوعه لا بد أن يقع، والمراد بالمشيئة هنا المشيئة الكونية، وهي لا تنقسم كما سيأتي، فكل ما وُجِدَ فهو بمشيئته سبحانه لا راد لأمره ولا معقب لحكمه لأنه أخبر أنه لو شاء ألا يقتتلوا لم يقتتلوا، ولكنه شاء أن يقتتلوا فاقتتلوا. إذًا وجودًا وعدمًا متعلقٌ بمشيئة الباري جل وعلا، لما اقتتلوا دل على أنه شاءه جل وعلا، لو لم يقتتلوا دل على أنه ما شاءه جل وعلا، وفي ذلك أن مشيئته كونية مُعَلَّلَة، وهذا مَرَّ معنا أن الحكم الكوني مُعَلّلٌ كالحكم الشرعي لا فرق بينهما وأن كلًا منهما لحكمةٍ قد يعلمها الخلق وقد لا يعلمها الخلق. إذًا حكم الباري جل وعلا نوعان:

-حكمٌ شرعي وهو مُعَلَّل. يعني لحكمة.

-وحكمٌ كوني. كذلك مُعَلّل. يعني لحكمة. وهذا يدل هنا على ماذا؟ على أن حكمه الكوني وهو الاقتتال يدل على أنه مُعَلَّلُ، ولذلك نقول هنا: وفي ذلك أن مشيئته الكونية مُعَلَّلَة فأراد قتالهم لحكمةٍ يعلمها وإن جهلناها نحن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت