الصفحة 389 من 883

الآية الثالثة قال: (وقوله سبحانه: {أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ} [المائدة: 1] ) . ( {أُحِلَّتْ لَكُمْ} ) يعني أبيحت لكم الحلال هنا والإحلال بمعنى الإباحة، المراد بها الإباحة الشرعية ليست الإباحة العقلية، ( {أُحِلَّتْ لَكُمْ} ) أي أبيحت لكم وهو فعل مغير الصيغة أُبِيح، من الذي أباح؟ الله عز وجل، لأن هذا حكم شرعي، فلا حاكم إلا الباري جل وعلا، والفاعل في الحقيقة هو الله تعالى لأنه لا حاكم إلا الله، ( {بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ} ) أي الإبل والبقر والغنم، سُمِّيَت بهيمة لأنها لا تتكلم، وأما النَّعَمُ فهي الإبل خاصةً. ( {إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ} ) أي إلا الذي يُتلى عليكم تحريمه في هذه السورة في قوله سبحانه: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} [المائدة: 3] ... الآية وفي غيرها كذلك من الآيات. قوله: ( {غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} ) غيرَ بالنصب على الحال من الكاف في ( {لَكُمْ} ) ، ( {أُحِلَّتْ لَكُمْ} ) ( {غَيْرَ} ) ، ( {أُحِلَّتْ لَكُمْ} ) ليس الإحلال مطلقًا، وإنما المراد به التخصيص حينئذٍ نقول: الحال وصف في المعنى قيد، ولذلك يعتبر من المخصصات عند الأصوليين، فهي حال من الكافِ في ( {لَكُمْ} ) يعني حال كونكم لا تحلون الصيد وأنتم حرمٌ.

ومعنى الآية أحلت لكم بهيمة الأنعام كلها إلا ما كان منها وحشيًّا فإنه صيد لا يحل لكم في حال الإحرام، والصيد هو الحيوان البري المتوحش هو الذي حرم في الإحرام، ( {إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ} ) هذا محل الشاهد من الآية ( {إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ} ) أي يحكم ما يريد من التحليل والتحريم، والحكم هنا في ظاهره ماذا؟ أنه حكم شرعي أم كوني؟ شرعي لأنه متعلق الإحلال، إذا كان كذلك فهو شرعي، وإن كان عممه بعض للشرعي والكوني لكن ظاهره ماذا؟ الشرعي، أي يحكم ما يريد من التحليل والتحريم لا اعتراض عليه، فهو الحكم سبحانه الحكيم لا حاكم غيره فكل حكم سوى حكمه فهو باطل مردود، وهذا الأصل في المسلم، وكل حاكم بغير حكمه وحكم رسوله فهو طاغوت كافر بالله تعالى، قال تعالى: ... {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44] . يعني المارقون من الإسلام، ( {إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ} ) فيها إثبات صفة الحكم لله سبحانه، وقد تقدم أن حكمه ينقسم إلى قسمين:

كوني كما في قوله: {أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي} [يوسف: 80] .

وشرعي كما في هذه الآية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت