( {مَا يُرِيدُ} ) فيه إثبات صفة الإرادة، وجهه أنه فعل أُسْنِدَ إلى الباري جل وعلا، ( {مَا يُرِيدُ} ) أين الفاعل؟ ضمير مستتر تقديره يعود إلى الباري، يريده هو الباري جل وعلا، فيه إثبات الإرادة لله سبحانه وتعالى كما يليق بجلاله، وأنه لم يزل مريدًا بالإرادات أو بإرادات متعاقبة فنوع الإرادة قديم، وأما إرادة الشيء المعين إنما يريده في وقته، إذًا عندنا قدر مشترك الذي يُوصف بكونه قديمًا، وهو نوع الإرادة، وأما باعتبار المتعلَّق، حينئذٍ نقول: المتعلَّق يكون حادثًا، إذًا يختلف ويتعدد، فنوع الإرادة قديم، وأما إرادة الشيء المعين إنما يريده في وقته فالمراد يكون حادثًا، فالإرادة من صفات الفاعل وهي تنقسم إلى قسمين:
إرادة كونية قدرية، وهذه مرادفة للمشيئة، ولذلك اتفق أهل السنة والجماعة أن المشيئة لا تنقسم، ليس عندنا إلا مشيئة كونية عامة شاملة، فلا تنقسم إلى مشيئة متعلقة بالشرع أو متعلقة بالكون، إنما الذي ينقسم ماذا؟ الإرادة، الإرادة مطلقة ينقسم إلى قسمين، الإرادة الكونية والمشيئة مترادفان، كل منهما بمعنًى واحد.
قال هنا: وهي تنقسم إلى قسمين:
إرادة كونية قدرية وهذه مرادفة للمشيئة، وما أراده سبحانه كونًا وقدرًا فلا بد من وقوعه، كل ما أراده يلزم منه الوقوع، فهذه الإرادة هي المتعلقة بالخلق وهو أنه يريد سبحانه أن يفعل هو.
الثاني: إرادة شرعية دينية، وهذه الإرادة متعلقة بماذا؟ بالأمر، وهي أن يريد من عبده أن يفعل، وهذه مرادفة للمحبة والرضا قد تقع وقد لا تقع، فتجتمع الإرادتان في حق المخلص المطيع، يعني إذا فعل إذا قام فصلى وآمن وُجِدَ منه الإيمان، اجتمع فيه الإرادتان لأنه وُجِدَ أنه مسلم مؤمن حينئذٍ وقع في الكون ما أراده الباري جل وعلا، وافق إرادته ماذا؟ الدينية الشرعية فتجتمع في ماذا؟ في حق المخلص المطيع، وتنفرد الإرادة الكونية في حق العاصي، حينئذٍ كفره وجد بماذا؟ بإرادته الكونية، فهل يحبه ويرضاه؟ الجواب: لا، إذًا تخلفت الإرادة الدينية الشرعية، ومن لم يفرق بين النوعين فقد ضل كالجهمية والقدرية، فالإرادة الكونية كقوله تعالى: ( {فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ} [الأنعام: 125] ) . [وهذه دينية $ سبق] هذه ماذا؟ كونية، هذه كونية، والدينية كقوله: {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ} [المائدة: 6] كالآية التي معنا، فالمحبة والرضا أخص من الإرادة، صحيح؟ المحبة والرضا أخص من الإرادة، لماذا؟ لماذا أخص؟ لأن الإرادة عامة تشمل الكونية والشرعية، والمحبة هذه شرعية خاصة بما أراده شرعًا، فالمحبة والرضا أخص من الإرادة، فأهل السنة والجماعة يقولون: إن الله لا يُحب الكفر ولا يحب الفسوق ولا يرضاه، صحيح؟ لكنه قد يقع، فإذا وقع حينئذٍ وقع بماذا؟ بإرادته الكونية، فما لا يحبه ويرضاه يقع في الكون ولا إشكال فيه، لكن وقع بماذا؟ بالإرادة الكونية، إن وُجِدَ مع المحبة والرضا حينئذٍ اجتمع فيه الإرادتان.