وفي الحديث: «كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم» . وليست هذه الآية معارضة لحديث عياض بن حمار عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «يقول الله تعالى: خلقت عبادي حنفاء» ، وفي رواية: «مسلمين فاجتالتهم الشياطين» . حينئذٍ نقول: الأصل فيه ماذا؟ الإسلام هذا الأصل، فإن الله تعالى خلق بني آدم وفطرهم على قبول الإسلام والميل إليه دون غيره بالفطرة، والفطرة هي الإسلام، والتهيؤ لذلك والاستعداد له بالقوة لكن لا بد للعبد من تعلم الإسلام بالفعل، فإنه قبل التعليم جاهل لا يعرف شيئًا، فالأصل فيه ماذا؟ الجهل، عنده قبول للإسلام، لكن لا بد من ماذا؟ لا بد من السبب، قال تعالى: {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا} [النحل: 78] . و {شَيْئًا} نكرة في سياق النفي فتعم، إذًا لا تعلمون كل شيء، حينئذٍ الشيء هنا يصدق على ماذا؟ على الآحاد، حينئذٍ نقول: الأصل فيه الجهل. إذًا كيف والأصل فيه أنه خُلق مسلمًا يقبل الإسلام؟ نقول: نعم مراد به أنه مسلم بالقوة لا بالفعل، لأنه بالفعل لا بد من ماذا؟ من تعلم وتعليم، فإن هداه الله سَبَّبَ له من يعلمه الإسلام فصار مهديًا بالفعل. إذًا «خلقت عبادي حنفاء» أي مهديين بماذا؟ بالقوة، يعني عندهم قابلية للإسلام، فإن وُجِدَ فحينئذٍ فهو وصف بالفعل، فإن هداه الله سَبَّبَ له من يعلمه الإسلام فصار مهديًا بالفعل بعد أن كان مهديًا بالقوة، وإن خذله قيَّض له ما يُغير له فطرته، كما قال - صلى الله عليه وسلم: «كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه» .. الحديث، ولم يقل يمسلمانه، لأن الأصل فيه قبول الإسلام. قوله: ( {يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ} ) أي يوسع قلبه للإيمان بأن يقذف في قلبه نورًا فينفسح له ويقبله. قوله: ... ( {وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا} ) أي ومن شاء سبحانه وتعالى أن يُضله عن الهدى ( {يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا} ) أي عن قبول الإيمان، و ( {حَرَجًا} ) أي شديد الضيق فلا يبقى فيه منفذ للخير، ومكان حرج أي: ضيق كثير الشجر - هذا الأصل - لا تصل إليه الراعية، والحرج أيضًا الإثم، ( {كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ} ) ، أي إذا كُلِّفَ الإيمان كأنما يصعد في السماء لشدته عليه، ( {كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ} ) يقول الله سبحانه كما يجعل صدر من أراد إضلاله ضيقًا كذلك يُسلط عليه الشيطان، الرجس المراد به هنا الشيطان، وعلى أمثاله ممن أبى الإيمان بالله ورسوله فيغويه ويصده عن سبيل الله. قال ابن عباس: ... {الرِّجْسَ} الشيطان. وقال مجاهد: {الرِّجْسَ} كل ما لا خير فيه. وقيل: العذاب.