الصفحة 393 من 883

ففي هذه الآية أن الهداية والإضلال بيد الله تعالى، وفيها أن العبد مفتقر إلى ربه في كل شيء، وأن العباد لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًّا، وأن من تفرد بخلق العبد ورَزْقِهِ هو المستحق أن يفرد بالألوهية والعبادة والسؤال، وأنه ليس عند أحد من هداية القلوب وتفريج الكروب شيءٌ من ذلك لا الأنبياء ولا الملائكة ولا غيرهم، وفيه الرد على من زعم ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - فضلًا عن غيره، بل جاء النص فيه كما قال سبحانه: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [القصص: 56] .

وفي هذه الآية كغيرها دليل على إثبات العلة والحكمة في أفعال الله تعالى لأنه قال ماذا؟ ( {كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ} ) ، إذًا لعدم إيمانهم، فيفيد تعليل، إذًا فيه ماذا؟ إثبات العلة والحكمة في أفعال الله، إذ لا يعقل مريد إلا إذا كان المريد قد فعل الحكمة يقصدها بالفعل، وإثبات الحكمة في أفعاله سبحانه هو قول السلف وجمهور المسلمين وجمهور العقلاء كما قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى.

وفي هذه الآية كسابقها إثبات الإرادة لله كما يليق بجلاله، وَعُلِمَ مما تقدم أن الإرادة تنقسم إلى قسمين، وأن المشيئة لا تنقسم - انتبه لهذا الضابط - أن الإرادة تنقسم إلى قسمين: إرادة دينية شرعية، وإرادة كونية قدرية، وأما المشيئة فلا تنقسم، وأنها مرادفة للكونية يعني المشيئة مرادفة للإرادة الكونية كما علم أن المحبة والرضا أخص من مطلق الإرادة لأن الإرادة عامة، والمحبة والرضا هذه مرادفة للإرادة الدينية الشرعية، وأن الأدلة دلت على الفرق بين المشيئة والمحبة والرضا وأن من جمع بينهما فقد ضل ضلالًا مبينًا، لأنه يلزم منه ماذا؟ أن الله تعالى أحب الكفر والفسوق وهذا باطل، وأن من جمع بينهما فقد ضل ضلالًا مبينًا، وصادم أدلة الكتاب والسنة وجمع بين ما فرَّق الله تعالى. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: فالإرادة الكونية هي المشيئة لما خلقه، وجميع المخلوقات داخلة في مشيئته وإرادته الكونية، والإرادة الدينية الشرعية هي المتضمنة للمحبة والرضا، المتناولة لجميع ما أمر به وجعله شرعًا ودينًا، وهذه مختصة بالإيمان والعمل الصالح، وقد دل على الفرق بين المشيئة والمحبة الكتاب والسنة والفطرة الصحيحة، أما نصوص المشيئة والإرادة فكقوله سبحانه: {وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا} [السجدة: 13] ، {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآَمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ} [يونس: 99] . وأما نصوص المحبة والرضا، فكقوله: {وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ} [البقرة: 205] . وقوله: {وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ} [الزمر: 7] . مع كونه موجودًا، إذًا وجد بماذا؟ بالإرادة الكونية لا بالإرادة الشرعية.

قال ابن القيم رحمه الله تعالى في (( المدارج ) ): ومراده سبحانه نوعان:

-مراد يحبه ويرضاه ويمدح فاعله ويواليه، فموافقته في هذا المراد هي عين محبته، وإرادة خلافه رعونةٌ ومعارضة واعتراض.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت