الصفحة 401 من 883

ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: (وقولِهِ: {وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} ) . هذه الآية الثانية التي استدل بها المصنف رحمه الله تعالى لإثبات صفة المحبة. قوله: ( {وَأَقْسِطُوا} ) أي: اعدلوا في معاملاتكم وأحكامكم مع القريب والبعيد وهو أمر، والأمر يقتضي ماذا؟ يقتضي الإيجاب والعدل كله واجب ليس في مستحبٌ دون الواجب، بل كله واجب، لذلك قوله تعالى: {إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى} [النحل: 90] . العدل كله واجب والإحسان منه واجبٌ ومنه مندوب، وكذلك إيتاء ذي القرب منه واجبٌ ومنه مندوب، فالعدل كله واجب. إذًا {وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الحجرات: 9] . قلنا: فيما سبق أن (إِنَّ) بعد الأمر تفيد التعليل {أَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} وهذا تعليلٌ بعد أمرٍ {وَأَقْسِطُوا} في ماذا؟ أطلق لم يقيده فدل على العموم، يعني اعدلوا في كل شيء في معاملاتكم وأحكامكم مع القريب والبعيد، يقال: أقسط بمعنى عَدَلَ، اسم الفاعل منه؟ لا، ليس قاسط أقسط على وزن أَفْعَلَ، أفعل يأتي اسم الفاعل منه على وزن مُفْعِل فهو مَقْسِطٌ. كما تقول: أَكْرَمَ فهو مُكْرِم، أَخْرَجَ فهو مُخْرِجٌ، أَقْسَطَ فهو مُقْسِطٌ، إذًا أَقْسَطَ بمعنى عدل، واسم الفاعل منه مقسطٌ بمعنى عادل، وقَسَطَ بمعنى جَارَ وتَعَدَّىَ وظَلَمَ، واسم الفاعل منه على وزن قَاسِط، فرقٌ بين النوعين، أَقْسَطَ مُقْسِطٌ، قَسَطَ فهو قاسط قال تعالى: {وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا} [الجن: 15] . أليس كذلك؟ قاسطون جمع قاسط وحينئذٍ يكون بمعنى ماذا؟ الظالم والمتعدي والجائر، وأما المقسط فهو بمعنى العادل ومن أسمائه سبحانه تعالى المقسط أي العادل الذي له كمال العدل وهو أعظم من اسم العادل يعني لو قيل: عادل ولم يأت لكن المقسط أعظم دلالةً لأنه عدلٌ وزيادة ولذا ليس من أسمائه جل وعلا العادل ففي هذه الآية الحث على العدل وفضل الحث على العدل بماذا؟ بقوله: {أَقْسِطُوا} أمر به وبيان فضله من حيث ماذا؟ من حيث ترتب المحبة على أصحابه، وأنه سببٌ لمحبة الله تعالى وأن العدل في الرعية من أفضل القرب سواءٌ كانت رعيةً عامةً كالحاكم، أو خاصةً كعدل آحاد الناس في بيته وولده كما في الحديث: «كلكم راعٍ ومسؤولٌ عن رعيته» . وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرٍو عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إن المقسطين على منابر من نورٍ عن يمين الرحمن» . إن المقسطين جمع مقسطٍ بمعنى عادلٍ، وكلتا يديه يمين، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما وُلُّوا. وفي الترمذي عن أبي سعيد رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إن أحب العباد إلى الله يوم القيامة وأدناهم إليه مجلسًا إمامٌ عادلٌ» . إذًا دلت هذه الآية على إثبات صفة المحبة لله عز وجل، فيحب من عباده المقسطين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت