قال ابن القيم رحمه الله تعالى: والعبد تواب والله تواب. فتوبة العبد رجوعه إلى سيده بعد إباقٍ بعد نفور، وتوبة الله نوعان: إذنٌ وتوفيق، وقبول واعتداد.
إذنٌ وتوفيق وهذه قبل التوبة، فالله هو التواب على التائب قبل أن يتوب، يعني هو الذي وفقه بأن يقلع عن الذنب فيحدث توبة، فقبل التوبة فالله تواب عليه بمعنى أنه هيَّئه ووفقه للتوبة، فالله هو التواب على التائب قبل أن يتوب، أي هو الذي وفق وأعان التائب على أن يتوب، فالله وفقه وأذن له في ذلك، ولولاه يعني لولا الله عز وجل لما تاب لبقي في غيه وفساده، هذا إذنٌ وتوفيق يكون قبل توبة العبد.
وقبول واعتداد وهذا بعد التوبة، يعني يقبل منه التوبة {يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ} ويحقق أثر القبول وهو الاعتداد بها، وأن تمحى عنه سيئاته.
إذًا قبول واعتداد، أثر القبول هو الاعتداد يقبلها فيعتد بها، يعني يترتب على القبول أثره وهو محو الذنب والسيئات ونحو ذلك، وقبول واعتداد، وقلنا: هذا بعد التوبة الذي يقبل التوبة قال الله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ} [الشورى: 25] . انتهى كلام ابن القيم رحمه الله تعالى.
فالتوبة لغة الرجوع، يقال: تَابَ وآب وَأَنَاب وثاب. كلها بمعنى رَجَعَ، وأما في الشرع فالتوبة هي الرجوع عن الذنب، وهي واجبة من جميع الذنوب على الفور، يعني لا يجوز تأخيرها إلى وقت فاصل بين الوقوع في الذنب والتوبة، قال الله تعالى: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ} [النور: 31] . {وَتُوبُوا} هذا فعل أمر فيدل على شيئين:
الأول: الإيجاب.
والثاني: الفور.
يعني لا يحل له أن يؤخر التوبة - فإذا أخر التوبة وقع في معصيةٍ أخرى، وهذا المراد بكونه ماذا؟ يفيد الفور، والآيات والأحاديث في الأمر بالتوبة والحث عليه كثيرةٌ جدًا، وتصح التوبة من بعض الذنوب دون بعضٍ وهذا معناه أنها تتبعض، يعني يتوب من الربا ويعمل شيئًا آخر أو سيئةً أخرى، ولا يتوب منها هل تقبل منه التوبة؟ نقول: نعم، فيه خلاف بين أهل العلم، لكن الصواب أنها تقبل فتتبعض التوبة.
وللتوبة شروط:
الأول: الإخلاص لله تعالى بأن يكون الحامل له على التوبة مخافة الله ورجاء ثوابه.
والثاني: الندم على ما فات.
والثالث: العزم على أن لا يعود.
والرابع: الإقلاع عن الذنب.
فإن كانت التوبة من حقوق الآدميين اشترط شرطٌ خامس وهو الخروج عن تلك المظلمة واستحلاله إن كانت غيبةً على قول بعض أهل العلم، والصواب أنه لا يشترط الاستحلال، وإنما يدعو له ويذكره في المجلس الذي اغتابه فيه.
وللتوبة أيضًا شرطٌ سادس وهو: أن يتوب قبل الغرغرة كما في الحديث الصحيح: «إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر» . وأما في حالة الغرغرة وهي حالة النزع فلا يقبل الله تعالى توبته.