وأما التوبة النصوح فهي الخالصةُ التي لا يختص بها ذنبٌ دون ذنبٍ، وقيل: إن التوبة النصوح هي أن يترك الذنب ثم لا يعود إليه كما لا يعود اللبن في الضرع. وقوله سبحانه: ( {وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} [البقرة: 222] ) أي عن الذنوب والمعاصي وعن الأحداث والنجاسات، فالطهارة هنا طهارةٌ شرعية فتشمل النوعين، فالطهارة لغة النزاهة والنظافة عن الأقذار حسيةً كانت أو معنوية فالحسية كالطهارة عن الأحداث والنجاسات والمعنوية كالطهارة عن الذنوب والمعاصي، والآية شاملةٌ عامةٌ حاسةٌ على الطهارتين.
وفي حديث أبي مالك الأشعري الذي رواه مسلم: «الطهور شطر الإيمان» . الحديث. وتقديم التوابين على المتطهرين في النص السابق الآية من باب تقديم السبب على المسبب لأنه بالتوبة يكون طاهرًا ( {يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} ) حينئذٍ نقول: التوبةُ سابقةٌ فيترتب عليه ماذا؟ الطهارة من حيث النوعين، وتقديم التوابين على المتطهرين من باب تقديم السبب على المسبب، لأن التوبة سبب الطهارة، أفاده ابن القيم رحمه الله تعالى. ففي هذه الآيات المتقدمة إثبات محبته سبحانه وتعالى كما يليق بجلاله وعظمته، وهذا من مقتضى ألوهيته، فإن الإله هو المألوه الذي تألهه القلوب محبةً وإجلالًا وخوفًا وتعظيمًا، فهو من لوازم كونه مألوهًا.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: في هذه الآيات إثبات محبة الله وهي على حقيقتها يعني المحبة هي المحبة، وهي على حقيقتها عند سلف الأمة ومشائخها وأخبر تعالى أنه اتخذ إبراهيم خليلًا والْخُلَّة هي كمال المحبة المستغرقة للمحب كما قيل:
قد تخللت مسْلَكَ الروح مني ... وبذا سمي الخليلُ خليلًا
ولكن محبته وخلته كما يليق به كسائر صفاته، يعني نثبت صفة المحبة ونثبت صفة الْخُلَّة، وهي أخص من المحبة لكن لا تتعلق إلا باثنين فقط، يعني لا نثبتها من جهة الباري جل وعلا لأحدٍ من الخلق إلا لاثنين فقط وهما إبراهيم عليه السلام، ومحمدٌ - صلى الله عليه وسلم -، لأنها توقيفية تحتاج إلى نصٍ، والذي وصف به سبحانه وتعالى من أنواع المحبة الإرادة يعني بمعنى أحب والود والمحبة والْخُلَّة كما ورد النص بذلك يعني أربعة ألفاظ المحبة مراتب ولها أنواع في لسان العرب أوردها ابن القيم في كتابه (( روضة المحبين ) )لكن ليس منها ما يثب من جهة الباري جل وعلا إلا ما جاء النص به، جاء النص بالإرادة بمعنى أحب الإرادة الشرعية، وجاء النص بالود {وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ} [البروج: 14] . كما سيذكره المصنف، وجاء في المحبة {يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} [آل عمران: 76] .. إلى آخره، وجاء في الْخُلَّة فحينئذٍ نثبت هذه الأربع وما عداها لا نثبته لأنها توقيفية.