قال المصنف رحمه الله تعالى (وَقَوْلُهُ: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} [آل عمران: 31] .) ، (( قَوْلُهُ: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ} ) . قال الحسن: ادَّعَى قومٌ أنهم يحبون الله فأنزل الله هذه الآية محنةً لهم، يعني المحبة ليست مجرد دعوى، وإنما هي لها برهان لا بد من القيام به، فادَّعَى قومٌ أنهم يحبون الله فأنزل الله هذه الآية محنة لهم، اختبرهم فهذه الآية فيها دليلٌ على أن من ادَّعَى ولاية الله ومحبته وهو لم يتبع ما جاء به رسوله - صلى الله عليه وسلم - فليس من أولياء الله، يعني دعوى محبة الله تعالى لا بد لها من علامةٍ ولا بد لها من برهان، دل الشرع على هذا البرهان، ما هو؟ إتباع الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فمن ادَّعَى بأنه يحب الله تعالى ويحب رسوله - صلى الله عليه وسلم - حينئذٍ ننظر إلى إتباعه لسنة النبي - صلى الله عليه وسلم -، فإن كان كذلك متبعًا فحينئذٍ صدق الدليل على المدلول وإلا فهي دعوى كاذبة.
قال: فيها دليلٌ على أن من ادَّعَى ولاية الله ومحبته وهو لم يتبع ما جاء به رسوله - صلى الله عليه وسلم - فليس من أولياء الله بل من أولياء الشيطان. وفيها أن علامة ودليل محبة الله هو إتباع رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وأن من اتبع الرسول حصلت له محبة الله.
إذًا مَنْ أحب الله اتبع الرسول، من اتبع الرسول حصلت له محبة الله له للعبد، يعني: عندنا محبتان هنا: محبة العبد لربه دليلها الإتباع، إن وُجِدَت المحبة مع دليلها ترتبت عليها ماذا؟ محبة الله تعالى للعبد {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي} هذا الدليل {يُحْبِبْكُمُ اللهُ} تترتب المحبة على الإتباع. قال بعض السلف: ليس الشأن أن تُحِبَ إنما الشأن أن تُحَبْ. ليس الشأن أن تُحِبَ الله تعالى كلهم يَدَّعِيه وإنما الشأن ماذا؟ أن يُحِبك الله عز وجل، لأنه لن يكون إلا بالإتباع {فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ} ، وفيها إثبات المحبة من الجانبين الله عز وجل يُحِبُّ ويُحَبُّ، إذًا فيه مبادلة المحبة لكن كل محبةٍ باعتبار ما تليق بالذات الصادرة عنها، فمحبة المخلوق لربه تناسب ذاتها، ومحبة الباري جل وعلا لعباده تليق بذاته، {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} [الشورى: 11] . فمحبة الله لأنبيائه ورسله وعباده الصالحين صفة زائدةٌ على رحمته وإحسانه وإعطائه، يعني ليست المحبة هي إعطاء النعم، ليس هذا المراد بل هي قدر زائد على ذلك، فإن ذلك أثر المحبة وموجبها فإن الله تعالى لَمَّا أحبهم كان نصيبهم من رحمته وإحسانه أتم نصيب.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: وجميع طرق الأدلة عقلًا ونقلًا وفطرة وقياسًا وذوقًا واعتبارًا ووجدانًا تدل على إثبات محبة العبد لربه، والرب لعبده. وقد ذكرنا [ذلك أو] لذلك قريبًا من مائة دليل في كتابنا الكبير في المحبة.