والرحيم هو ذو الرحمة للمؤمنين يوم القيامة: الرحمن رحمة عامة تشمل المؤمن والكافر في الدنيا وتختص بالمؤمنين في الآخرة، وأما الرحيم فهو ذو الرحمة للمؤمنين على جهة الخصوص، ولذلك قال تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5] . فذكر الاستواء باسمه الرحمن ليعم جميع خلقه برحمته. وقال: {وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا} [الأحزاب: 43] . فخصّ المؤمنين باسمه الرحيم. هذا وجه القول الأول. إذًا القول الأول في الفرق بين الاسمين أن الرحمن رحمةٌ عامة شاملة للمؤمنين والكافرين وهذا في الدنيا، وفي الآخرة تختص بالمؤمنين. وأما الرحيم فهو خاصٌ بالمؤمنين والفرق هنا لقوله: {وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا} ما وجه الاستدلال من كون هذه الرحمة خاصة بالمؤمنين لا غيرهم؟ تقديم ما حقه التأخير، أصل التركيب وكان هو رحيمًا بالمؤمنين إذًا بالمؤمنين هذا جار ومجرور متعلق بماذا؟ {رَحِيمًا} وإذا تعلق بكونه {رَحِيمًا} صار معمولًا له، والعامل متقدمٌ على المعمول أصالةً، فإذا تقدم معموله على العامل نقول: قدَّم ما حقه التأخير فأفاد الحصر، وهو إثبات الحكم في المذكور ونفيه عما عداه، كما قال: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} ... [الفاتحة: 5] أي لا نعبد إلا إياك، كذلك هنا: {كَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا} أي لا بغيرهم، لماذا؟ لأن أصل التركيب كان رحيمًا بالمؤمنين، فقدَّم ... {بِالْمُؤْمِنِينَ} على قوله: {رَحِيمًا} فحينئذٍ أفاد ماذا؟ أفاد الحصر والقصر، وهو إثبات الحكم في المذكور ونفيه عما عداه، فيكون التركيب هكذا: كان بالمؤمنين رحيمًا لا بغيرهم.
وأورد عليه على هذا القول بكون الرحيم خاصًا بالمؤمنين قوله تعالى: {إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} [البقرة: 143] . والناس لفظٌ من ألفاظ العموم فيشمل المؤمن والكافر، حينئذٍ يكون التقديم في قوله: ... {وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا} للاهتمام لا للحصر، لأنه قد لا يلزم دائمًا كل ما قُدِّمَ المعمول على عامله يقتضي الحصر؟ لا، ليست قاعدة مطردة، وإنما قد يكون ماذا؟ قد يكون للاهتمام، فلما جاء قوله تعالى: {إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ} هذا لفظٌ عام كقوله: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ} [البقر: 21] . هذا عام يشمل المؤمن والكافر. إذًا: {إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} كقوله: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} .