( {رَبَّنَا} ) يعني يا ربنا، وهذا من قول ملائكة العرش ( {رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا} ) أي وسعت رحمتك وعلمك كل شيء، ... ( {وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا} ) ، ( {رَّحْمَةً وَعِلْمًا} ) منصوبان على التمييز، والتمييز قد يكون محولًا وقد يكون غير محول، وهنا تمييز نسبةٍ، والمحول قد يكون عن فاعلٍ وهو كذلك هنا: ( {وَسِعْتَ} ) رحمتك ... ( {كُلَّ شَيْءٍ} ) وسع علمك كل شيء، فحذف الفاعل وهو مضاف وأقيم المضاف إليه مقامه فارتفع ارتفاعه فحصل لبسٌ وإيهامٌ في الإسناد فجيء بالمحذوف وانتصب على أنه تمييزٌ، إذًا وسعت رحمتك وعلمك كل شيء فما من مسلمٍ ولا كافرٍ إلا وهو متقلبٌ في نعمته جل وعلا، فهذه الآية فيها دليلٌ على إثبات رحمته سبحانه وتعالى. وفيها دليلٌ على سِعَتِها أو على سَعَتِها وشمولها. روى الإمام أحمد عن أبي عثمان عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إن لله مائة رحمة، فمنها رحمةٌ يتراحم بها الخلق وبها تعطف الوحوش على أولادها، وأخر تسعةً وتسعين إلى يوم القيامة» . أخرجه مسلم. وهذه هي الرحمة العامة التي تشمل جميع المخلوقات حتى الكافرون، يعني: الكافر مرحومٌ أو لا؟ نقول: نعم، مرحوم من الرحمة إعطاؤه الرزق، بل من الرحمة إيجاده من العدم، إعطاؤه الرزق إعطاؤه الصحة أو العافية كل ذلك يعتبر من الرحمة العامة، لأن الله تعالى قرن الرحمة هذه مع العلم، فكل ما بلغه علم الله وعلم الله يبلغ كل شيء، أليس كذلك؟ بلغته الرحمة، لأن قال ماذا؟ ( {وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا} ) فما من محلٍ يبلغه علمك إلا تعلقت به الرحمة. إذًا فيها عمومٌ كعموم العلم. قال: لأن الله قرن الرحمة هذه مع العلم فكل ما بلغه علم الله تعالى، وعلم الله بالغٌ لكل شيء فقد بلغته رحمته، فكما يعلم الكافر يرحم الكافر أيضًا، وقوله: ( {رَّحْمَةً} ) تمييز محولٌ عن الفاعل، وكذلك ( {عِلْمًا} ) لأن الأصل ربنا وسعت رحمتك وعلمك كل شيء.
قال المصنف رحمه الله تعالى: (وَقَوْلُهُ {وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا} ، وَقَوْلُهُ {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} [الأعراف: 156] ) أي أن رحمته سبحانه عمت وشملت كل شيء. قال الحسن وقتادة: وَسِعَتْ رحمته سبحانه في الدنيا البرَّ والفاجر، فهو مرحومٌ وهي يوم القيامة للمتقين خاصة دون غيرهم، فهذه الآية فيها إثبات الرحمة وشمولها، ودلت هذه الآية وما قبلها على أن الرحمة تنقسم إلى قسمين:
الأول: رحمةٌ عامة، وهي الرحمة المشتركة بين المسلم والكافر فهي رحمةٌ عامة لا تختص بالمؤمن دون الكافر، فما يصل إليه من رزقٍ وصحةٍ ونحو ذلك فكله من رحمة الله تعالى كما في هذه الآية.
الثاني: رحمةٌ خاصةٌ بالمؤمنين {وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا} . كما في الآية التي قبلها {وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا} . و {بِالْمُؤْمِنِينَ} متعلقٌ بـ {رَحِيمًا} وتقديم المعمول يدل على الحصر فيكون معنى الآية، وكان بالمؤمنين لا بغيرهم رحيمًا، ويمكن أن يستدل من جهة المعنى لأن الرحمة لا تكون للكافر في الآخرة البتة، لأنه ليس لهم إلا النار، والنار ليست محلًا للرحمة، وأما الدليل في هذا الاستدلال ذكرنا فيه نظرًا.