قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: كون المطيع يستحق الجزاء هو استحقاق إنعام وفضل من الله تعالى، وليس هو استحقاق مقابلةٍ كما يستحق المخلوق على المخلوق. وهذا كما في حديث «لو عذب الله أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم لكانت رحمته خيرًا لهم» . كذلك حديث «ليس أحد منكم يدخل الجنة بعمله» الحديث السابق لا ينافي قوله: {جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} . يعني ليس أحدٌ منكم يدخل الجنة بعمله، نفى أن يدخل أحد الجنة بالعمل، وقال في آية: {جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} فإن الرسول - صلى الله عليه وسلم - نفى باء المقابلة والمعادلة، يعني: باء الثمن، والقرآن أثبت باء التسبب {جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} يعني بسبب ما كانوا يعملون، والسبب لا يقتضي ماذا؟ المقابلة والمعادلة أن يكون ثمنًا، وإنما أمر الله تعالى أو بين أن الجنة لن يدخلها أحدٌ إلا إذا عمل صالحًا، آمن وعمل صالحًا، فحينئذٍ هذا الإيمان وهذا العمل الصالح سبب لدخول الجنة، الذي أدخله الجنة ابتداءً هو رحمة الله تعالى وهو الذي عناه النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله: «ليس أحد منكم يدخل الجنة بعمله» . لأن هذا العمل متهافت مهما بلغ الإنسان من العمل فلن يكون مؤديًا لِمَا أراده الله تعالى منه، فالنبي - صلى الله عليه وسلم - نفى باء المقابلة والمعادلة، والقرآن أثبت باء التسبب، فالمنفي استحقاقها بمجرد الأعمال، يعني لا برحمة الله تعالى، فإذا دخل الجنة بالعمل نقول: هذا دخل برحمة الله تعالى بسبب العمل، أما بكونه عمل فدخل الجنة دون الرحمة هذا الذي عناه النبي - صلى الله عليه وسلم - بالنفي، فالمنفي استحقاقها بمجرد الأعمال وكون الأعمال ثمنًا وعوضًا لها، والمثبت كونها سببًا لدخول الجنة بتوفيقه وهداه، وقوله: ( {وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} ) . مر معنا الاسمين.
ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: (وقولِهِ: {فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [يوسف: 64] ) . ( {فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا} ) ، أي أن حفظه سبحانه وتعالى خير من حفظكم، قال: خير. وهي أفعل التفضيل، تدل على ماذا؟ على أن ثَمَّ مفضل ومفضل عليه، ثَمَّ أن مفضلًا ومفضل عليه، خير من حفظكم، فمن توكل عليه سبحانه وتعالى وفوَّض أموره إليه كفاه ووقاه وحفظه وحماه، فلا سبيل لأحد عليه ولا قدرة لأحد أن يصل إليه بما يؤذيه، لأنه قال: ( {فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا} ) . وهو خير الحافظين.
ومن أسمائه سبحانه وتعالى الحفيظ، من أسمائه الثابتة الحفيظ وهو نوعان:
أحدهما: حفظه على عباده جميع ما عملوا من خير وشر وطاعة ومعصية.
والثاني: أنه الحافظ لعباده من جميع ما يكرهون.
فالأول بمعنى الإحصاء، يحفظ على عباده ماذا؟ جميع ما عملوا فلم يفوت شيءٌ البتة من خير وشر وطاعة ومعصية، والثاني حافظ لعباده من جميع ما يكرهون وهذا نوعان الثاني، أحدهما عام والثاني خاص.
فالأول العام: حفظه لجميع المخلوقات بتيسير ما يقيتها ونحو ذلك فلا يخاف الموت بسبب الجوع ولو كان كافرًا.