الصفحة 419 من 883

الثاني: حفظ خاص وهو حفظه لأوليائه سوى ما تقدم عما يزلل إيمانهم ويضعف يقينهم وحفظهم عما يضرهم في دنيهم ودنياهم. هذا حفظ خاص وذاك حفظ عام.

وورد اسمه تعالى الحفيظ في القرآن ثلاث مرات في قوله: {إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ} [هود: 57] . وقوله: {وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ} [سبأ: 21] . وقوله: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ} [الشورى: 6] . وأثبت بعضهم الحافظ كما في هذه الآية التي معنا، وورد مرة واحدة فيها من صيغة الجمع، وحفيظ نعم الآية التي معنا ( {فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا} ) وأثبت بعضهم الحافظ كما في هذه الآية التي معنا، وورد مرة واحدة فيها، وفي صيغة الجمع مرتين، يعني: ورد الحافظ بصيغة الجمع مرتين، في قوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9] . جمع حافظ، وقوله: {وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ} [الأنبياء: 82] . جمع حافظ. قال الخطابي: هو الحافظ فعيل بمعنى فاعل، كالقدير والعليم، يحفظ السماوات والأرض وما فيها لتبقى مدة بقائها فلا تزول ولا تدثر، كقوله عز وجل: {وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا} [البقرة: 255] . كما مر تفسيره، وقال: {وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ} [الصافات: 7] . أي: حفظناها حفظًا، والله أعلم، وهو الذي يحفظ عبده من المهالك والمعاطن، ويقيه مصارع السوء كقوله سبحانه: {لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ} [الرعد: 11] . أي بأمره جل وعلا، ويحفظ على الخلق أعمالهم، ويحصي عليهم أقوالهم، يعلم نياتهم وما تكن صدورهم ولا تغيب عنه غائبة ولا تخفى عليه خافية، ويحفظ أولياءه ويعصمهم عن مواقعة الذنوب ويحرسهم عن مكايدة الشيطان ليسلموا من شره وفتنته.

قال القرطبي رحمه الله تعالى: فهذا الاسم يكون من أوصاف الذات ومن أوصاف الفعل كالرحمة.

أفادت هذه الآية كغيرها: إثبات الصفة الرحمة قال: ( {وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} ) ، وأنها أكمل رحمةً وأنه حقيقةٌ لا مجاز، فإن الله سبحانه وتعالى أثبت لنفسه هذه الصفات، ووصف نفسه بها، كما وصف بعض خلقه بهذه الصفات، ولذلك قال: ( {أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} ) . إذًا أثبت صفة الرحمة للمخلوق، وأثبت صفة الرحمة له جل وعلا، ومرّ معنا القاعدة: أن الاتفاق في الأسماء لا يقتضي الاتحاد في المسمى. فإذا أضاف الباري جل وعلا وصفًا لذاته فحينئذٍ بالإضافة انفصل من حيث الحقيقة والمعنى لمجرد الإضافة، فنقول: رحمة المخلوق شيء ورحمة الخالق شيء آخر، كما وصف بعض خلقه بهذه الصفات، ولكن ليست رحمته سبحانه كرحمة المخلوق ولا كسمعه ولا بصره، فإن الله سبحانه وتعالى ليس كمثله شيء، فاتفاق الاسمين لا يقضي باتحاد المسمى، فإنه سبحانه وصف نفسه بهذه الصفات، ووصف به بعض خلقه، فأثبت سبحانه الاسم ونفى المماثلة، فقال: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11] .

قال ابن القيم رحمه الله تعالى: وفي هذا أظهر دليل على أن أسماء الرب مشتقة من أوصاف ومعانٍ قامت به، وأن كل اسم يناسب ما ذُكِرَ معه واقترن به من فعله وأمره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت