كما أفادت هذه الآيات: أن الرحمة المضافة إليه سبحانه تنقسم إلى قسمين:
قسم يضاف إليه سبحانه من إضافة الصفة إلى الموصوف كقوله سبحانه: «ورحمتي» . أضافها إلى نفسه، «ورحمتي وسعت كل شيء» ، وكما في الحديث «برحمتك أستغيث» . هذا مضاف إلى الباري جل وعلا، فهي صفة له، وحينئذٍ لا نقول: هذه مخلوقة.
الثاني: يضاف إليه سبحانه وتعالى من باب إضافة المخلوق إلى خالقه، وهي الرحمة المخلوقة كما في الحديث «إن الله خلق مائة رحمة» هذه نقول: هذه مخلوقة، والجنة رحمة، والحديث الآخر أنه قال سبحانه للجنة: «أنتِ رحمتي أرحم بك من أشاء» . إذًا هذه الرحمة مخلوقة، وليست صفة للباري جل وعلا، وإضافتها للباري جل وعلا من إضافة المخلوق إلى خالقه كقوله: {نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا} [الشمس: 13] .
قال المصنف رحمه الله تعالى: (وقولِهِ: {رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} ) .
شرع المصنف في ذكر الآيات المثبتة للصفات الاختيارية، أفعال الله الاختيارية، وهي المتعلقة بمشيئته وقدرته مع قيامها بذاته، فهي قائمة بذاته ومتعلقة بالمشيئة، قوله: ( {رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} ) . لَمّا ذكر أعمالهم الصالحة ذكر أنه أثابهم عليها رضاه الذي هو أعظم وأجل من كل نعيم، قال تعالى: {وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ} [التوبة: 72] . يعني أكبر من الجنة، وأكبر من كل نعيم، أفادت هذه الآية إثبات صفة الرضا لله سبحانه، فالله تعالى يرضى ويغضب كما يليق بجلاله.
وفي هذه الآية دليل على إثبات أفعال الله الاختيارية، وأدلة ذلك من الكتاب والسنة لا تحصر.
وفيها دليل على إثبات فعل العبد وأن له فعلًا اختياريًّا ( {رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ} ) ، يعني لَمَّا عملوا صالحًا رَضِيَ، حينئذٍ فعل العبد وهذا الفعل اختياريٌّ حينئذٍ يُنْسَبُ للعبد ولا يُنْسَبُ إلى الباري جل وعلا، وإنما الذي ينسب إلى الباري الصفة القائمة به وهو الفعل الاختياري منه، وهو رضاه جل وعلا.
وفيها دليل على أن الجزاء من جنس العمل.
وفيها فضل الرضا عن الله، والرضا لغة ضد السخط والكراهة، يعني من حيث المعنى اللغوي هذه الألفاظ لا تُفسر، يعني ليس لها حد اصطلاحي لا بد من ذكره، وإنما نقول: الرضا هو الرضا، كل واحد إذا قيل: رضيت عن زيد. علم أن المراد بالرضا ما يقوم بالقلب، وهو مقابل للسخط والكراهية والمقت والبغض، قال بعضهم: سكون القلب حتى مجاري الأحكام.