وممن ذهب إلى قوله بأن قاتل المؤمن متعمدًا ليست له توبة، بمعنى أنه ليس داخلًا تحت المشيئة، وليس المراد أنه خالد مُخَلَّد في النار لأنه ليس بمكفر، يعني قتل المؤمن ليس بمكفر، فالمراد حينئذٍ أنه ليس داخلًا تحت المشيئة، كالخلاف في الشرك الأصغر هل هو داخل تحت المشيئة أو لا؟ ثَمَّ قولان لأهل السنة والجماعة، والصواب أنه داخل تحت المشيئة، هذا ذنب عظيم كذلك فيه خلافٌ هل هو داخلٌ تحت المشيئة أو لا قول ابن عباس أنه ليس داخلًا تحت المشيئة، يعني: لا بد أن يعذب، وذهب إلى قوله زيد بن ثابت، وأبو هريرة، وأبو سلمة بن عبد الرحمن وعبيد بن عمير والحسن وقتادة والضحاك وابن أبي حاتم، إذًا هؤلاء يقولون بأن مرتكب هذا الذنب حينئذٍ ليست له توبة بمعنى أنه لو تاب لن تقبل منه توبته، فلا بد من أن يعذب، والذي عليه الجمهور سلفًا وخلفًا أن القاتل له توبةٌ فيما بينه وبين الله تعالى، وهو الصحيح الذي دلت عليه الأدلة فإن تاب وأناب وعمل صالحًا بدل الله سيئاته حسنات، وعوّض المقتول عن ظلامته قال تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا} [الزمر: 53] {الذُّنُوبَ} جمعٌ دخلت عليه أل فيعم، أليس كذلك؟ أكده بقوله: {جَمِيعًا} جاء الاستثناء باعتبار الشرك الأكبر {إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ} [النساء: 48] والشرك الأكبر هذا يعتبر من الذنوب ولا شك، حينئذٍ ما جاء التخصيص به خُصِّصَ وما لم يأتِ رجعنا إلى الأصل، وهو أن كل ذنبٍ فالله تعالى يغفره، هذا هو الأصل، وليس عندنا ثَمَّ دليل يدل على أن القاتل قاتل المؤمن المتعمد ليست له توبة، وهذا الدليل الذي معنا جوابه كما سيأتي في كلام ابن القيم رحمه الله تعالى، هذه الآية {إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا} عامٌ في جميع الذنوب يعني لا يستثنى منه شيءٌ البتة إلا بدليل، فإن جاء الدليل فعلى العين والرأس. وقال تعالى: {إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ} هنا فصّل عدم المغفرة تتعلق بماذا؟ وهو ذنبٌ عظيم وهو الشرك الأكبر {إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ} يعني لا يغفرُ إشراكًا به، والمراد بالشرك هنا الشرك الأكبر على الصحيح ولا يدخل فيه الشرك الأصغر {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ} يعني ما هو أقل من الشرك الأكبر يغفره الله تعالى، ولا شك أن قتل المؤمن دون الشرك الأكبر فدخل في الآية، ثَمَّ نصان فيهما عمومٌ يدل على ما ذكرناه، وهذه الآية عامةً في جميع الذنوب عدا الشرك بالله تعالى، إلى غير ذلك من الأدلة وما يُرْوَى عن ابن عباس وغيره قد يؤول بأنه مبالغةٌ وتشديدٌ في الزجر عن القتل، لأنه من باب التشديد يعني: لئلا يقع الناس في هذا الذنب فهو مبالغةٌ وتشديدٌ في الزجر عن القتل. قال ابن القيم رحمه الله تعالى: والتحقيق في المسألة أن القتل تتعلق به ثلاثة حقوق:
-حق الله تعالى.
-وحق المقتول.
-وحق الولي.