الصفحة 428 من 883

وفي هذه الآية كذلك إثبات العلل والأسباب، قال: ( {ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ} ) . إذًا فيه تعليل، وفيه ذكر للسبب فالباء سببية، وأن الأعمال الصالحة سبب للسعادة، والأعمال السيئة سبب للشقاوة، وفيها الرد على من زعم أنه لا ارتباط بين العمل والجزاء، بل لا بد من العمل ولا بد أن يترتب عليه الجزاء إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر، فثَمَّ ارتباط بينهما، وفيها أيضًا ذم من أحب ما كرهه الله، أو كره ما أحب، لأنه كما مر معنا أن الحكم الشرعي يجب الإيمان به والتسليم، وأن يرضى ما رضيه الله تعالى، فما أحبه فأوجبه أو ندب الناس إليه وجب حبه، وما أبغضه وحرمه أو كرهه كراهة تنزيه وجب بغضه، حينئذٍ لا بد أن يتردد المسلم مع ذلك، إذًا في الآية ذم من أحب ما كرهه الله على النقيض، أو كره ما أحبه الله على النقيض، فالواجب على كل مؤمن أن يحب ما أحبه الله محبةً توجب الإتيان بما وجب عليه منه، فإن زادت المحبة حتى أتى بما نُدِبَ إليه منه كان ذلك فضلًا، يعني الذي يتعلق به الإيمان من حيث النقص والكمال الواجب هو فعل الواجبات والكف عن المحرمات، وأما فعل المندوبات والكف عن المكروهات فهذا يتعلق به الكمال المستحب، وليس كمال الواجب، إذًا عندنا واجب وعندنا مندوب، وعندنا محرم وعندنا مكروه الذي يتعلق به الإيمان الواجب بحيث يأثم العبد بنقص إيمانه عن القدر الذي تعين شرعًا أن يكون واجبًا هو ترك الواجبات وفعل المحرمات، وأما فعل المندوبات فهذا مما يتفاضل فيه الناس ولا يلزمهم البتة، ولا يجوز إلزام الناس بالمندوبات، كذلك الكف عن المكروهات، عدم الكف عن المكروهات لا يتأثر به الإيمان الواجب، وترك المندوبات لا يتأثر به الإيمان الواجب، وإنما يتأثر به الإيمان المستحب، إذًا درجات، أصل الإيمان وهذا لا يكون إلا بوجود أصول الدين: شهادة أن لا إله إلا الله ومعانيها يعني تجنب نواقض الإسلام والإتيان بالأركان التي يتعلق بها تحقق الإيمان، ثم كمال الواجب، ثم كمال المستحب، فالمعاصي سواء كانت بترك الواجبات أو بفعل المحظورات تؤثر في الإيمان الواجب، وكذلك البدع، وأما ترك المستحبات وفعل المكروهات هذه لا تؤثر في الكمال الواجب، إذًا لا بد أن يفعل الواجب، وأما المندوب فهذا تتفاضل أو يتفاضل فيه الناس، ولذلك قال الشارح: فإن زادت المحبة حتى أتى بما نُدِبَ إليه منه كان ذلك فضلًا، ولو تركه لا يُؤثر في إيمانه، لا يؤثر من حيث الإيجاب يعني لا يأثم، وأما الاستحباب فهذا شأن آخر، وأن يكره ما كرهه الله كراهةً تُوجب له الكف عن ما حرم الله عليه منه، فإن زادت الكراهة حتى أوجبت الكف عن ما كرهه تنزيهًا كان ذلك فضلًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت