وقد ثبت في الصحيحين عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وولده ووالده والناس أجمعين» . فلا يكون العبد مؤمنًا حتى يقدم محبة الرسول - صلى الله عليه وسلم - على محبة جميع الخلق والولد والوالد، ومحبة الرسول - صلى الله عليه وسلم - تابعةٌ لمحبة مُرْسِلِه وهو الباري جل وعلا، والمحبة الصحيحة تقتضي المتابعة والموافقة في حب المحبوبات، وبغض المكروهات وليست هكذا مطلقًا، قال الله تعالى: {قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ} [التوبة: 24] .. الآية.
قال المصنف رحمه الله تعالى: (وقولِهِ: {فَلَمَّا آسَفُونَا} [الزخرف: 55] ) . إذًا متى وُجِدَ الأسف؟ ( {فَلَمَّا آسَفُونَا} ) لما تدل على وقوع شيء بعد أن لم يكن، لما جاء زيد أكرمته، لَمَّا آسفونا انتقمنا منهم، لما جاء زيد أكرمته، إذًا متى وقع الإكرام؟ بعد مجيء زيد، إذًا لم يكن، لم يكن ثم كان، وهذا المراد بكونها صفةً فعلية لأنها تعلقت بالمشيئة والإرادة، ( {آسَفُونَا} ) أي أغضبونا، فالأسف بمعنى الغضب، وأَسِفَ لها معنيان في لسان العرب تأتي بمعنى غضب كهذه الآية وهي المراد وهي التي تضاف إلى الباري جل وعلا، وتأتي بمعنى حَزِنَ كقوله سبحانه عن يعقوب أنه قال: {يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ} [يوسف: 84] . وهذا ممتنع بالنسبة للباري جل وعلا، واللفظ قد يكون له معنًى، وقد يكون له معنيان في لسان العرب أحدهما هو الذي يُضاف إلى الباري جل وعلا، والمعنى الآخر يمتنع، ... {نَسُواْ اللهَ فَنَسِيَهُمْ} [التوبة: 67] النسيان يأتي بمعنى الغفلة، وهذه صفة نقص، ويأتي النسيان بمعنى الترك، أيهما الذي يضاف إلى الباري جل وعلا؟ بمعنى الترك، وأما الثاني فهو ممتنع. كذلك ( {فَلَمَّا آسَفُونَا} ) أي أغضبونا، حينئذٍ نسيت، يعني تَرَكْتُ. قوله: ( {انتَقَمْنَا مِنْهُمْ} ) أي عاقبهم سبحانه بالغرق وغيره من العقوبات، ( {انتَقَمْنَا مِنْهُمْ} ) ، ... ( {فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا} ) عندنا هنا وصفان.
الأول: الغضب ( {آسَفُونَا} ) .
الثاني: الانتقام.
كلاهما يتعلق بمشيئة الباري جل وعلا، ولذلك قال: ( {انتَقَمْنَا مِنْهُمْ} ) يعني عاقبهم جل وعلا بالغرق وغيره من العقوبات، والانتقام هو أن يبلغ في العقوبة حدَّها، يعني مبلغها النهاية، أن يبلغ في العقوبة حدها، وعد بعضهم من أسمائه تعالى المنتقم بناءً على الوصف الذي أتى في الآية، وبناءً على ما جاء في حديث أبي هريرة، كما جاء في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه الذي رواه الترمذي في جامعه في عدد الأسماء الحسنى، وقلنا: هذا ضعيف لا يثبت أصل الحديث محفوظ لكن تعداد وسرد الأسماء هذا مدرج ضعيف، ومعناه المنتقم حينئذٍ المبالغ في العقوبة لمن يشاء.