الصفحة 431 من 883

إذًا ( {كَرِهَ اللَّهُ} ) وعرفنا فيما مر ولا يحتاج إلى الإعادة كل مرة أن وجه إثبات الصفة هنا كونه فعلًا أُسْنِدَ إلى فاعل ( {كَرِهَ اللَّهُ} ) إذًا الله فاعل للكُرْهِ، ما وجهه؟ أنه في لسان العرب أن الفعل إِذَا أُسْنِدَ إلى فاعله دل على أنه وصفٌ له، وحدثٌ واقعٌ منه، وهذا قاعدة مطردة في جميع ما ذُكرَ.

قال المصنف رحمه الله تعالى: (وَقَوْلُهُ: {كَبُرَ مقْتًا عندَ اللَّهِ َأن تقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ} [الصف: 3] ) . ( {كَبُرَ} ) أي عظمَ ( {مقْتًا} ) هذا منصوبٌ على التمييز، والمقت أشد البغض. إذًا الغضب البغض أشد البغض هو المقت، وفي الآية الحث على الوفاء بالعهد والنهي الأكيد عن الخلف في الوعد وغيره ( {أَن تقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ} ) إذًا لا ينبغي للمسلم أن يقول ما لا يفعل، لا يقول قولًا إلا وقد نوى وجزم أن يفعل ما قد قاله، واستدل بعض العلماء على أنه يجب الوفاء بالوعد مطلقًا سواءٌ ثبت عليه عزمٌ للموعود أم لا بهذا النص، واحتجوا بما ثبت في الصحيحين أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «آية المنافق ثلاثٌ إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان» . أطلق هنا، وعد أخلف، إذًا عزمت على الْخُلْفِ أو لا عمومًا جعله ماذا؟ آية على المنافق، والله المستعان.

وفيها دليلٌ على إثبات صفة البغض لله سبحانه وتعالى كما يليق بجلاله وعظمته.

وفيه دليل على أن بغضه سبحانه وتعالى يتفاوت، وهو كذلك، فبعضه أشد من بعضٍ كما في الحديث «أن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب مثله» لم يكن «ولم يغضب بعده مثله» فدل على أنه لم يكن ثم كان، إذًا تعلق بمشيئته، ثم غضب أو قال هنا: «أن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب مثله» يعني حصل غضبٌ لكنه لم يكن مثل هذا الغضب، فدل على أنه يتفاوت وهو كذلك.

وفيه دليلٌ على أن الشخص قد يكون عدوًا لله ثم يصير وليًّا، يُبغضه الله تعالى لكفره لمعاصيه لفسقه لنفاقه، ثم يتوب فيرشد ويعود إلى الإسلام أو يتوب من معاصيه فيحبه الله تعالى، وهذا يدل على ماذا؟ على أن الغضب وقت الكفر، ثم زواله بعد ارتفاع الكفر بالتوبة أن الغضب صفةٌ فعلية تتعلق بمشيئته، وأنها متعلقٌ بأسبابٍ إما من جهة العمل وإما من جهة العامل، هذا أو ذك، حينئذٍ فالشخص قد يكون عدوًا لله تعالى ثم يصير وليًّا ويكون الله سبحانه وتعالى يُبغضه لما هو عليه ثم يحبه، وهذا مذهب الفقهاء والعامة، وعلى هذا يدل القرآن. قال الله تعالى: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ} [آل عمران: 31] إذًا لم تكن المتابعة وجاء الأمر بالمتابعة فإن وُجِدَتْ حصلت المحبة. إذًا لم تكن ثم كانت.

وقال سبحانه: {وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ} [الزمر: 7] إن حصل منكم الشكر يرضه لكم، قلنا: هذا الرضا متعلق بماذا؟ بالفعل لا بالفاعل.

إذًا إذا جاء التعليق بجواب الشرط هنا ما فائدة الشرط؟ قلنا - فيما سبق في النحو: إن جاء زيدٌ أكرمته. إن تدل على ماذا؟ على التعليق ارتباط، ولذلك لا تدل على شخص، ما هو التعليق والارتباط كون الجواب معلقًا على الفعل، نستفيد من ذلك أن الفعل لم يكن، إذا قلت: إن جاء زيدٌ. إذًا مجيء زيد حصل أو لا؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت