الصفحة 436 من 883

قال المصنف رحمه الله تعالى: (وقولِهِ: {وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاء بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنزِيلًا} [الفرقان: 25] ) . ( {وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاء} ) المراد به يوم القيامة، يعني اليوم هنا ( {وَيَوْمَ} ) يعني واذكر يوم، يومَ هذا منصوب بفعل محذوف تقديره اذكر، واذكر يومَ، والمراد باليوم هنا يوم القيامة، وتشقق السماء المراد به انفطارها، {إِذَا السَّمَاء انفَطَرَتْ} ... [الانفطار: 1] هو التشقق، والتشقق إذان بنزول الله تعالى، وهذا وجه مناسبة ذكر الآية هنا، لأن لو قرأت الآية ليس فيها شيء مُسند إلى الباري جل وعلا، ( {وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاء} ) هذا إخبار عن السماء ( {بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنزِيلًا} ) ، أين صفة الباري جل وعلا؟ نقول: دل عليها ضمنًا بالآيات الأخرى السابقة أن نزول الملائكة لا يكون وحده إنما يكون مع الباري جل وعلا، إذًا ( {تَشَقَّقُ السَّمَاء بِالْغَمَامِ} ) تنفطر وتشقق وينزل الباري جل وعلا، إذًا دل عليه بتضمن أو بالالتزام، قوله: ... ( {بِالْغَمَامِ} ) أي يخرج منها الغمام وهو السحاب الأبيض، وحينئذٍ تنزل الملائكة إلى الأرض فيحيطون بالخلائق في مقام الحشر، ثم يجيء الرب لفصل القضاء بين عباده، فهذه الآيات متقدمة أفادت إثبات المجيء والنزول والإتيان لله سبحانه كما يليق بجلاله وعظمته، وهذه من صفاته سبحانه الفعلية الاختيارية فيجب إثبات جميع الصفات الواردة في الكتاب والسنة كما أثبتها الله سبحانه لنفسه، وأثبتها له رسوله - صلى الله عليه وسلم - من غير تحريف ولا تعطيل من غير تكييف ولا تمثيل، يعني مع اجتناب المحاذير الأربعة.

ودلت هذه الآيات أيضًا على أن نزوله سبحانه وتعالى وإتيانه ومجيئه ونحو ذلك من أفعاله أنه حقيقةٌ كما يليق بجلاله وعظمته، إذ الأصل الحقيقة ولا صارف عن ذلك، يعني لا نَدَّعِي المجاز ( {وَجَاء رَبُّكَ} ) أي أمر ربك، نقول: ليس ثَمَّ قرينة تجعل اللفظ هنا معدولًا عن حقيقته إلى مجازه، ثم فهم الصحابة إجماعٌ يدل على أن ظاهر اللفظ هو الحقيقة وليس ثَمَّ احتمال آخر، خلافًا لأهل البدع.

ودلت على أنه نزول وإتيان ومجيء بذاته وإن لم يصرح به لأن الفعل أُسند إلى الذات، يأتي جاء ربك، ربك أي بذاته لا نحتاج أن نقول بذاته إلا في مقام الرد على أهل البدع، يعني بذاته دل عليه اللفظ ( {وَجَاء رَبُّكَ} ) ، ( {رَبُّكَ} ) أي ذاته بصفاته وأسمائه الحسنى، حينئذٍ أثبت المجيء إلى الذات، فقول أهل السنة والجماعة استوى {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5] بذاته من باب التأكيد فقط وليس المراد أنه ثَمَّ زيادة على معنى، يعني لم تفد معنًى لم يدل عليه اللفظ ( {وَجَاء رَبُّكَ} ) أي بذاته، فإذا قلت في لسان العرب: جاء زيد فأكرمتُ زيد. من؟ ذاته هو جاء بذاته، هذا الأصل في الإسناد وليس ثَمَّ ما يدل على الصرف هنا، إذًا دلت على أن نزوله وإتيانه جل وعلا مجيئه في ذاته سبحانه وتعالى كما يليق بجلاله وعظمته.

ثم اعلم أن الإتيان والمجيء المضاف إليه سبحانه وتعالى نوعان:

مطلق، ومقيد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت