فإذا كان مجيء رحمته أو عذابه، يعني النصوص هنا أهل السنة والجماعة يدورون مع النصوص، حيث ما كان اللفظ فيه رائحة إثبات اللفظ إلى الباري جل وعلا كوصفٍ أثبتوه وإلا فلا، لا يثبت للباري جل وعلا، حينئذٍ المجيء والإتيان جاء في نصوص الوحيين مطلقًا غير مقيد، وجاء مقيد، فإذا كان مجيء رحمته أو عذابه ونحو ذلك قيد بذلك كما في الحديث «حتى جاء الله بالرحمة والخير» جاء بذاته؟ لا، ننفي هنا في هذا النص، نقول: «حتى جاء الله بالرحمة» . إذًا ما الذي جاء؟ رحمة الله تعالى، ما الذي دل عليه؟ قوله - صلى الله عليه وسلم: «بالرحمة» . إذًا القرينة جاءت من جهة الوحي وليست من جهة العقل كما يدعيه أهل البدع، فإن جاء صارف للفظ عن ظاهره وكان هذا الصارف وحيًّا، حينئذٍ نقول: على العين والرأس نقبله ولا نرده، وأما الصارف أن يكون أوهام عقليّة تتعلق بفساد عقول أهل البدع فنصرف الألفاظ عن ظاهرها لهذه الأوهام والخرافات. نقول: لا. إذًا ... «جاء الله بالرحمة» نقول: ليس هذا النص يدل على مجيء الباري جل وعلا، لأنه قيده بقوله: «بالرحمة» . فبالرحمة قيد لقوله: «جاء» . حينئذٍ تقول: «جاء» فعل ماضي، «الله» فاعل، «بالرحمة» متعلق بـ «جاء» ، ما معنى متعلق؟ يعني فسره، هكذا عند النحاة فسّره، بَيَّن معناه، تَمَّمَ معناه، لو لم يرد «بالرحمة» لقلنا: جاء على ظاهره، لما قال: «بالرحمة» . علمنا أن المجيء هنا ليس المراد مجيء ذاته جل وعلا.
وقوله كذلك: {وَلَقَدْ جِئْنَاهُم بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ} [الأعراف: 52] . {جِئْنَاهُم} جئنا، نَا فاعل، كما قوله في السابق جاء الله، الله فاعل جئنا نا هنا فاعل، هل هو مجيء الباري جل وعلا؟
نقول: لا، ليس مجيء الباري، هل كنا محرفين؟ الجواب: لا، لماذا؟ لأنه قال: {بِكِتَابٍ} . إذًا ما الذي جاء؟ هو الكتاب، والذي أرسل الكتاب هو الله جل وعلا.
النوع الثاني: الإتيان والمجيء المطلق غير المقيد. هكذا مطلق، فهذا لا يكون إلا مجيئه سبحانه، حينئذٍ إذا جاء المجيء والإتيان مطلقًا غير مقيد يعني ليس عندنا جار ومجرور، ولا ظرف، ولا مفعولًا به ولا مفعول مطلق، حينئذٍ نقول: هذا الإتيان والمجيء صفةٌ للباري جل وعلا، وإن جاء مقيدًا فالمجيء مجيء القيد الذي ذُكِرَ في ذلك النص، فالمقيد كالأمثلة السابقة، والإتيان المجيء المطلق لا يكون إلا مجيئه سبحانه كقوله: ( {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللهُ} ) . فقط هنا انتهى، أي يأتيهم الله لم يقيد بشيء، لم يقل يأتيهم بالرحمة ولا بالعذاب قال: ( {يَأْتِيَهُمُ اللهُ} ) . إذًا بذاته جل وعلا، وقوله: ( {وَجَاء رَبُّكَ} ) . وقف لم يأتِ ظرف ولا جار ومجرور ولا مقيد، فنقول: هذا مطلق فيحمل على ماذا؟ مجيء ذاته جل وعلا، جاء ربك بذاته، انتهى من كلام ابن القيم رحمه الله تعالى.
وأفادت هذه الآيات إثبات أفعاله سبحانه وتعالى الاختيارية، كالإتيان والنزول والمجيء والاستواء والارتفاع والصعود كلها أنواع وأفعاله، وهو فعال لما يريد، وأفعاله كصفاته قائمةٌ به جل وعلا ليست منفصلة، الرضا والغضب من أفعاله، أين محله؟
قائم بذاته جل وعلا، وأفعاله سبحانه نوعان:
لازمة، ومتعدية.