الصفحة 438 من 883

مر معنا ذلك، كما دلت النصوص التي هي أكثر من أن تحصر على إثبات النوعين وأنها حقيقةٌ ليست مجازًا، وليست كأفعال المخلوق وصفاته سبحانه وتعالى تليق به، وفي هذه الآيات دليل على إثبات علو الله على خلقه، أليس كذلك؟ ( {يَأْتِيَهُمُ} ) ، ( {تَشَقَّقُ السَّمَاء} ) ، إذًا يأتيهم من أين؟ من جهة العلو، ففيه إثبات صفة العلو للباري جل وعلا وأنه عالٍ على خلقه علوًّا عامًا، وعلوًّا خاصًا على عرشه، لأنه لا يمكن أن يأتي إلا من جهة العلو وذكره ابن القيم أحد الطرق في إثبات العلو.

قال المصنف رحمه الله تعالى: (وقولِهِ: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} [الرحمن: 26، 27] ) .

شرع المصنف في ذكر ما يتعلق بإثبات صفة الوجه للباري جل وعلا وذكر آيتين ( {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ} ) ، ( {وَجْهُ رَبِّكَ} ) مضاف ومضاف إليه، ووصفه بالبقاء فدل على أن هذا الوصف للباري جل وعلا.

قوله: ( {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ} ) . أي كل من على الأرض يعدم ويموت من الفناء وهو العدم ( {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ} ) أي كل من على الأرض يُعدم ويموت ويبقى وجهه سبحانه جل وعلا، قال الشعبي رحمه الله تعالى: إذا قرأت كله ( {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ} ) فلا تسكت حتى تقرأ قوله: ... ( {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} ) . وهذا من فقهم في القرآن وكمال علمهم. هكذا قال ابن القيم وغيره، إذ المقصود الإخبار بفناء من عليها مع بقاء وجهه، وإذ قيل: بأن السنة الثابتة العامة أنه يوقف على رؤوس الآيات فهذا هو الأصل، لكن وصل بعض الآيات في بعضها التي لا يتم المعنى إلا بها فهو حسن، لكن لا نقول: بأنه أحسن من الوقوف على رؤوس الآيات، وهذا وجه ذكره ابن القيم للشعبي رحمه الله تعالى، إذ المقصود الإخبار بفناء من عليها مع بقاء وجهه، فإن الآية سقيت لبيان تمدحه سبحانه بالبقاء وحده، ومجرد فناء الخليقة ليس فيه مدح، إنما المدح في بقائه سبحانه بعد فناء خلقه، فهي نظير قوله سبحانه: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [القصص: 88] . انتهى كلام ابن القيم رحمه الله تعالى.

( {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ} ) يعني لا يفنى هذا الذي يراد هنا ( {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ} ) ، ثم استثنى قال: ( {وَيَبْقَى} ) . إذًا لا يفنى، ( {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ} ) ، أي لا يفنى، ففيه إثبات صفة الوجه لله تعالى لأنه أضاف الوجه إلى الرب عز وجل. يعني نسبه ( {وَجْهُ رَبِّكَ} ) مضافٌ ومضافٌ إليه، عندما نقول: غلامُ زيدٍ أضفت الغلام إلى زيد نسبته وبينت المراد منه، أليس كذلك؟ وجه زيدٍ أضفته وبينت ( {وَجْهُ رَبِّكَ} ) المعنى واحد، وهو من الصفات الذاتية، المعنى واحد يعني: من حيث الإسناد والإضافة هذا المراد، وهو من الصفات الذاتية كالسمع والبصر واليدين، يعني ليست من الصفات الفعلية التي ينفك عنها الباري جل وعلا، وإنما من الصفات الذاتية الخبرية، وهناك الصفات الذاتية على نوعين:

-صفاتٌ ذاتية خبرية. يعني لا يمكن العلم بها إلا من جهة الخبر فالعقل لا يدل عليها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت