قال بعض السلف: لا يهدين أحدكم لله ما يستحي أحدكم أن يهديه لكريمه. يعني: لا يأتي بهدية لله تعالى وهي التي القيام بطاعته كصلاة ونحوها يستحي أن يتقرب بها إلى صديقه، قال: فإن الله أكرم الكرماء. أي هو أحق من كل شيء بالإكرام إذ كان أكرم من كل شيء، وقال أيضًا: وإذا كان مستحقًا للإجلال والإكرام لزم أن يكون متصفًا في نفسه بما يوجب ذلك، وهو كذلك، كما إذا قال: الإله هو المستحق لأنه يُؤَله أي يعبد كان في نفسه مستحقًا لما يوجب ذلك، إذا قلنا: الإله هو الذي يستحق أن يُؤَله ويُعبد، إذًا يجب أن يكون كذلك، كذلك إذا قلنا الباري جل وعلا ذو الجلال والإكرام معناه كذا وكذا، إذًا يجب أن يكون المعنى متصفًا به الباري جل وعلا، والإجلال من جنس التعظيم، والإكرام من جنس الحب والحمد، وهذا كقوله: {لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ} [التغابن: 1] . فله الإجلال وله الإكرام والحمد. انتهى من كلامه شيخ الإسلام رحمه الله تعالى.
قوله: ( {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ} ) . أضاف الربوبية إلى محمد - صلى الله عليه وسلم -، ... ( {رَبِّكَ} ) الخطاب لمن؟ لمحمد - صلى الله عليه وسلم -، وهذه الربوبية أخص ما يكون من أنواع الربوبية:
-ربوبية عامة.
-وربوبية خاصة.
والخاصة هذه مرتبتان:
-خاصة أخص.
-وخاص فوق ذلك.
كربوبية الله تعالى لرسوله، فالربوبية الأخص أفضل بلا شك، والوجه معناه معلوم في لسان العرب، لكن كيفيته مجهولة، معلوم لكن كيفيته مجهولة، لا نعلم كيف وجه الله عز وجل كسائر صفاته، لكننا نؤمن بأن له وجهًا موصوفًا بالجلال والإكرام وموصوفًا بالبهاء والعظمة والنور العظيم، روى مسلم في صحيحه حديث «إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام حجابه النور لو كشفه لأحرقت سُبُحَات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه» ، «سُبُحَات وجهه» . أي: بهاؤه وعظمته وجلاله ونوره «ما انتهى إليه بصره من خلقه» ، وبصره ينتهي إلى كل شيء وعليه فلو كشف هذا الحجاب حجاب النور عن وجهه لاحترق كل شيء، لهذا نقول: هذا الوجه وجه عظيم لا يمكن أبدًا يماثل أوجه المخلوقات البتة.
قال المصنف رحمه الله تعالى: (وقولِهِ: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} [القصص: 88] ) . قوله: ( {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} ) . بمعنى الآية السابقة ( {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ} ) أي أن جميع أهل الأرض وأهل السماء سيموتون ويذهبون إلا من شاء الله، ولا يبقى إلا وجهه سبحانه وتعالى، والمستثنى من الهلاك والفناء ثمانية، ( {كُلُّ} ) هذا عام أريد به الخاص، نظمها السيوطي في قوله:
ثمانية حكم البقاء يعمها ... من الخلق والباقون في حيز العدم
هي العرش والكرسي نار وجنة ... وعذب وأرواح كذا اللوح والقلم