الصفحة 442 من 883

الثمانية هذه مستثناة بمعنى أنها لا يأتي عليها العدم. وأما قوله: ( {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ} ) . وقوله: ( {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ} ) . فإن المراد كل شيء كتب عليه الفناء والهلاك هالك، يعني قوله: ( {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ} ) . إذًا حتى العرش حتى الجنة حتى النار كلها مراد به أنه عام أريد به الخصوص، إذًا ما استثني ليس داخلًا ابتداءً، فالمراد به كل شيء كُتِبَ عليه الفناء والهلاك هالك، والجنة ونار خلقتا للبقاء لا للفناء، خلقة الجنة وخلقت النار للبقاء لا للفناء، وكذا العرش فإنه سقف الجنة والكرسي إلى آخر ما ذُكِر، فإن عموم كل في كل مقام بحسبه، يعني عام أريد به الخصوص هكذا يسميه أهل الأصول، ويعرف ذلك بالقرائن كقوله: {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ} [الأحقاف: 25] . {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ} قال: {مَسَاكِنُهُمْ} . إذًا بقيت دل على أن المراد به ما أمكن تدميره، و {مَسَاكِنُهُمْ} شيء لم تدخل في عموم {كُلَّ شَيْءٍ} ، لأن المراد كل شيء يقبل التدمير بالريح عادةً، وكقوله عن بلقيس: {وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ} [النمل: 23] . فالمراد {مِن كُلِّ شَيْءٍ} يحتاج إليه الملوك، وهذا القيد يفهم من قرائن الكلام إذ المراد أنها ملكةٌ تامة الملك.

ففي هذه الآيات كغيرها من أدلة الكتاب والسنة إثبات صفة الوجه لله سبحانه وتعالى كما يليق بجلاله وعظمته، وإثبات أنه وجه حقيقةً لا يُشبه وجوه خلقه {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} [الشورى: 11] وهذا هو الذي عليه أهل السنة والجماعة كما ذكر معنى دلك البيهقي والخطابي.

والوجه حيث ورد فإنما ورد مضافًا إلى الذات في جميع موارده يعني: ما جاء إلا مضافًا إلى الباري جل وعلا، وجه ربك ونحوه، وحينئذٍ نقول الوجه حيث من ورد فإنما ورد مضافًا إلى الذات في جميع موارده مظانه، والمضاف إلى الرب نوعان، ما أضافه الباري جل وعلا إلى نفسه نوعان:

أعيانٌ قائمةٌ بنفسها. يعني منفصلة عن الذات كبيت الله، وناقة الله، وروح الله، وعبد الله، هذه إضافة تشريف، يعني: من باب إضافة المخلوق إلى خالقه، فالناقة مخلوقة، وإن أضيفت للباري جل وعلا، لا نقول الناقة صفة للباري جل وعلا لأنه أضافها، لا، نقول: هنا الناقة منفصلة، إذًا كونها منفصلة يدل على ماذا؟ على أنها مخلوقة، إذًا فهذه إضافة تشريف وتخصيص وهي إضافة مملوكٍ إلى مالكه، يعني مخلوق إلى خالقه.

-النوع الثاني صفاتٌ لا تقوم بنفسها بذاتها. كعلم الله وحياته وقدرته وسمعه وبصره ونوره، فهذه إضافتها إليه سبحانه إضافة صفةٍ إلى موصوفٍ بها، إذا عرف ذلك فإضافة السمع والبصر والوجه ونحو ذلك إضافة صفةٍ إلى موصوف، فليس السمع منفصلًا عن الباري جل وعلا، ولذلك قلنا فيما سبق: أن الصفات والأفعال قائمةٌ بذات الباري جل وعلا، ولا يقوم بذاته ما هو مخلوقٌ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت